استخدام نتنياهو لـ”عماليق” يؤكد تعمد الإبادة الجماعية في غزة
يعيد رئيس الحكومة الصهيونية، بنيامين نتنياهو، رسم صورة الوضع في 7 أكتوبر مع اقتراب انتخابات الكنيست، في 27 تشرين الأول/أكتوبر الحالي، وخاصة أمام ناخبيه، وخلال ذلك يحمل مسؤولية الإخفاق الإسرائيلي في ذلك اليوم على المسؤولين الأمنيين في الجيش والشاباك، وأيضًا على وزراء في حكوماته الحالية والسابقة، بادعاء أنهم رفضوا دائمًا احتلال قطاع غزة قبل الحرب الحالية.
وكرر نتنياهو، خلال مقابلة معه نشرتها صحيفة “ماكور ريشون” اليمينية في نهاية الأسبوع الماضي، أنه تم إبلاغه بهجوم حماس عند الساعة 6:29 من صباح 7 أكتوبر، وأنه طوال الليلة السابقة كان لدى رئيس الشاباك ورئيس أركان الجيش “الإسرائيلي” إنذارات بأن حماس تستعد لهجوم، “ولم يفعلوا شيئًا، ولم يطلعوني عليها”.
وأضاف أنه عند الساعة الثامنة صباحًا “تحدثت مع وزير الأمن (في حينه يوآف غالانت) ولم تكن لديه صورة للوضع”، وبعد ساعة ونصف الساعة التقى غالانت ورئيس أركان الجيش في مقر وزارة الأمن في تل أبيب من أجل بحث الوضع، “وقلت إننا في حرب، وعلينا استدعاء قوات الاحتياط، وعلينا أن نرد الصاع صاعين”، وتابع يمتدح نفسه بأنه “يوجد شهود كثيرون يروون كيف أنني عملت ببرودة أعصاب منذ اللحظة الأولى”.
وقال نتنياهو إن المساعدات المالية القطرية لغزة، التي صادق عليها في العام 2018، شكلت “2% من إجمالي الأموال التي دخلت إلى القطاع، وذهبت إلى الصرف الصحي من أجل منع أوبئة، ولاحتياجات إنسانية لعائلات لم يكن لديها مال، وكانت هناك مراقبة لهذه الأموال، ولم تساعد (حماس) في أي شيء، إذًا ماذا سيفعلون بها؟ اشتروا إف-35؟ غواصات؟ دبابات؟ فقد توغلوا بمركبات وبنادق كلاشينكوف”.
لكن خلافًا لتقارير إسرائيلية ادعت أن المساعدات المالية استخدمت في “تمويل الإرهاب”، قال نتنياهو إن “قليلًا منها فقط”، وإنه أوقف إدخال المساعدات في العام 2021، وأن خلفه في رئاسة الحكومة وخصمه في الانتخابات الحالية، نفتالي بينيت، أعاد إدخالها.
كذلك نفى نتنياهو أنه أبرم صفقات مع حماس، بهدف منع توترات أمنية بين “إسرائيل” والقطاع وبهدف فصل قطاع غزة عن الضفة الغربية، وادعى أن خصومه السياسيين “يشوهون التاريخ، ويجب إدراك أنني اعتقدت أنه ليس بالإمكان التوصل إلى صفقات مع حماس، وجميع المسؤولين الأمنيين نظروا إلى السنوار كمن يريد التوصل إلى هدوء، وأنا قلت إنه ’يجب قطع رؤوسهم عندما يكون بالإمكان’، على عكس ما يروجون له (خصومه ووسائل إعلام “إسرائيلية”) تمامًا”.
نتنياهو عارض احتلال قطاع غزة في العمليات العسكرية العدوانية السابقة، ويقول الآن إنه “كانت هناك عقبة دولية وداخلية أمام ذلك، والحقيقة أن جميع الذين تحدثوا عن احتلال، وعندما جرى التصويت على ذلك في الكابينيت خلال ’الجرف الصامد’ (معركة “العصف المأكول” في العام 2014)، لم يؤيدوا ذلك، وهم يحرفون التاريخ اليوم، وفي حينه دعوا إلى تطويق غزة فقط”، كأن غزة لم تكن تخضع لحصار “إسرائيلي” شديد منذ سنوات.
وحسب نتنياهو، فإنه “بعد ما حدث أيضًا (في 7 أكتوبر) كان لا يزال رأي كثيرين أنه لا ينبغي الدخول إلى غزة، وإنما تطويقها فقط، وبينهم عوفر فينتر (الذي كان يلقي أمام جنوده خطابات متطرفة يستخدم فيها نصوصًا توراتية حول الإبادة خلال التوغل البري في القطاع)، وقد استمعت إلى هذا الرأي وقررت العكس طبعًا”، ووصف العضو السابق في “كابينيت الحرب” وخصمه الحالي في الانتخابات، غادي آيزنكوت، بأنه “دمية. لا شيء. ليس لديه قدرة على المقاومة، وهذا هو مفهومه”.
وتعهد نتنياهو بمواصلة الحرب على غزة، وقال إن “حماس لن تكون هناك في النهاية، ولا توجد حصانة لأي أحد الآن، ونحن نقتل قادتهم الذين يتبدلون، ولديهم مشكلة في إشغال مناصب، ونحن نقتل وحوش النخبة، والوضع الحالي أفضل بكثير من وضع آخر، لكن هذا ليس كافيًا، وأنا أريد استكمال القضاء على حماس”، لكن هذا يعني أن الإبادة الجماعية في غزة ستستمر لأن الغالبية العظمى من الشهداء هم مدنيون، ليس وفقًا لمعطيات وزارة الصحة في غزة فقط، وإنما بموجب معطيات شعبة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية أيضًا.
ورغم أن “إسرائيل” لم تتعرض لخطر وجودي أبدًا، وإنما هي التي تنفذ الإبادة الجماعية في غزة وتشن حروبًا عدوانية وتحتل مناطق في لبنان وسورية، إلا أن نتنياهو يزعم أنه “أنقذت دولة إسرائيل مرتين، ولو لم نعمل لكان بحوزة النظام الإيراني قنبلة نووية بهدف إبادة دولة إسرائيل، وكنا أمام خطر إبادة فورية”.
وتابع أن “على القراء أن يدركوا أن الانتخابات هي على مجرد ضمان وجود دولة اليهود، وقبل سنة ونيّف كنا أمام إبادة مطلقة، وكان بإمكان النووي الإيراني ألا يدمر المشروع الصهيوني فقط، وإنما الشعب اليهودي لأن الشعب اليهودي لن يعيش بدون دولة إسرائيل، وقد أوشكوا على إبادة الشعب اليهودي. من بإمكانه مواجهة ذلك؟ غادي آيزنكوت؟ وإذا بقيت بعد خمس سنوات، فإن النظام الإيراني لن يكون موجودًا”.
ما القصد بحرب ضد “عماليق”
تقول الباحثة في قسم تاريخ “إسرائيل” والتوراة في جامعة حيفا، بروفيسور غيلي كوغلر، إنه يوجد “تناقض مركزي في الفلسفة اليهودية القديمة، فالشعب الذي يتحدث عن نفسه بأنه مختار ومفضل يقف طوال الوقت على عتبة إبادة، وليس على أيدي أعدائه فقط، وإنما على أيدي الإله الذي اختاره، والسؤال هو حول كيف أدركوا هذا الإله ولماذا هو قاسٍ ومتقلب ونرجسي، وبعد ذلك تطورت دراساتي التالية حول الحداد والانتقام وحول عماليق ودور العنف في بلورة الهوية القومية”.
وأشارت إلى أن “هذه مواضيع مثيرة للجدل ومرتبطة بالإيمان والذاكرة التاريخية والإبادة والعنف الإلهي واستخدام التوراة من أجل تبرير القوة والقومية والمطالبة بالحق في البلاد، إذ إن التوراة تواصل بلورة شكل إدراك الأفراد لأنفسهم ولأعدائهم”، وفق ما جاء في مقابلة معها نشرت صحيفة “هآرتس”.
وفيما يكرر نتنياهو إخافة الإسرائيليين بأنهم كانوا سيتعرضون لإبادة في الحرب الحالية، وأنه منع ذلك وأنقذ “إسرائيل” مرتين، تساءلت كوغلر: “لماذا يتعين على شعب أن يتخيل نفسه، طوال الوقت، أنه يواجه خطر الإبادة؟ والهدف من ذلك هو تفسير الواقع، وتفسير كيف أن بإمكان الكوارث أن تحدث في عالم يسيطر فيه الإله العادل الذي يملك القوة، وإذا كان الإله يسيطر على التاريخ، فإن الخراب لا يدل على ضعفه، وإنما هو يُفسر على أنه عقاب قرره الإله”.
وبحسبها، فإنه “ينبغي أن نتذكر أن النصوص التوراتية كتبها مجتمع ينظر إلى نفسه على أنه متفوق على باقي الشعوب، لكن لهذه العملة وجهًا آخر لأنهم يصفون أنفسهم أحيانًا كطفل تخلى الإله عنه، ولا يزال كأنه الابن المختار، وإذا لم يكونوا موجودين فإنه لن يكون هناك ابن مختار آخر، وبالإمكان ترجمة ذلك بضرورة إبادة الآخر أو السيطرة عليه، إذ إنهم ’ليسوا مساوين لنا ويجب أن يكونوا تحتنا’، أو، في حالة الحرب، مسموح لنا أن نفعل بهم كل شيء”.
وأضافت أنه “يوجد في التوراة نصوص قاسية تصف إبادة مطلقة، وحتى عندما تكون هناك قوانين حرب فإنها توضع كي تفرقنا عن الآخرين، لأنه يفترض بنا أن نكون أكثر أخلاقية، وعندما بدأ خطاب ’معًا سننتصر’ بعد 7 أكتوبر، كنت أفكر: هل سيكون بإمكاننا الحداد؟ هل سنتجه إلى الحداد أم الانتقام؟ ماذا سيفعل مجتمعنا؟ وتوجد في التوراة نصوص تقارن بين الشعورين، الحداد والانتقام، وتساءلت إذا كان بالإمكان أن يكونا سويّة”.
وقالت كوغلر، فيما يتعلق بحرب الإبادة في غزة بعد 7 أكتوبر، إنه “في العالم الطبيعي تحدث أمور شريرة، لكن يوجد قانون ودولة يتعين عليها أن تعاقب وتوفر حلًا، ولا يفترض أن يكون الانتقام هدف العقاب، وإنما الدفاع عن المجتمع وإعادة قدر معين من النظام بعد خرقه، بينما الانتقام يتم عندما لا يكون هناك نظام، ونحن نرى ذلك في مجتمعات تنتقم فيها عائلات أو قبائل لأنه لا يوجد حكم مركزي يمكن الاعتماد عليه، وهذا حدث للحكومة الإسرائيلية، بعد 7 أكتوبر، التي بدلًا من التحدث بلغة دولة ووضع أهداف والتفريق بين مذنبين وأبرياء، بدأت بالتصرف بشكل يذكّر بالمافيا”.
وأضافت أن “نتنياهو بدأ في اليوم الأول للحرب بالتحدث عن الانتقام، لكن كان يصعب فهم ذلك في حينه، والانتقال إلى عماليق كان مهمًا جدًا، لأنه خلافًا للانتقام الذي كان لا يزال يتطرق إلى حدث معين، فإن عماليق يحول العدو إلى شيء أكبر وفوق زمني، إلى تجسد للشر الذي ينتقل لدى العدو من جيل إلى آخر، والآن لم تعد الحرب ردًا على 7 أكتوبر، وإنما استمرارًا لصراع أسطوري قديم”.
ولفتت كوغلر إلى أنه “عندما تستخدم شخصية سياسية (مثل نتنياهو) اسم عماليق خلال الحرب، فإن هذا ليس زينة خطابية، وإنما هي تستخدم تراثًا كاملًا في مركزه إصدار أمر بإبادة شعب، بنسله وذكره، وصحيح أن ذكر هذا الاسم ليس شهادة قضائية على نية الإبادة، لكن الأسطورة القديمة تمنحنا لغة دينية بالإمكان بواسطتها فهم النوايا”.
وأكدت أن استهداف المدنيين الغزيين في حرب الإبادة “هو مثال على الانتقام الذي يميل إلى فقدان تناسبيته، والمنتقم يبدأ من الادعاء أنه يسعى إلى الرد على المعتدي، لكن سريعًا جدًا يتسع الانتقام من المعتدي إلى عائلته وأولاده وقبيلته أو شعبه كله، وعندما يكون العدو كيانًا جماعيًا واحدًا يختفي التمييز بين المسؤولين والأبرياء، والأطفال ليسوا مذنبين طبعًا، لكن داخل مخيلة الانتقام هم يمثلون مستقبل العدو، واستهدافهم ليس عقابًا على ما حدث، وإنما كأنه يمنع استمرارية وجود العدو”.
وأضافت أنه “ليس جميع النصوص التوراتية تعتقد أنه يوجد إله واحد، وليس جميع النصوص التوراتية تتحدث عن الإله الواحد القادر على كل شيء. والمفهوم التوحيدي الذي أتحدث عنه هو مفهوم رامبامي (نسبة إلى الرامبام – الحاخام موسى بن ميمون) من القرن الـ12، وهو المفهوم السائد اليوم، ويؤمن بوجود إله واحد فقط، وقد أثّر كثيرًا على الفكر اليهودي المتأخر، وإذا كان هناك إله واحد، ولا توجد آلهة أخرى، فإذًا هو الذي اختار شعبًا واحدًا، الذي هو شعب متفوق على جميع الشعوب، من الناحية البيولوجية”.
وأشارت إلى أنه تم إضفاء صبغة دينية على حرب الإبادة على غزة، “وأعتقد أنه لأول مرة في تاريخ “إسرائيل”، التي خاضت حروبًا من قبل، دخل إلى الحرب البعد اللاهوتي والأسطوري، وقد أصبح ذلك رسميًا، ولم يحدث أبدًا أننا سمعنا رئيس الحكومة ووزراءه يتحدثون عن عماليق، وأن رئيس جامعة تل أبيب (أريئيل بورات) يقول بعد ثلاثة أيام من 7 أكتوبر إنه عماليق، وبإمكاني القول إن مقالًا حول عماليق، نشرته في العام 2020، تحول إلى مقال مقتبس في العالم، وحتى إنه استُخدم في الدعوى التي قدمتها جنوب أفريقيا ضد إسرائيل إلى محكمة العدل الدولية في لاهاي”.
وأضافت أن “إسرائيل” تخوض “حربًا أبدية مع تبرير إلهي، ووجدت توثيقًا لعادة كانت موجودة في العصور الوسطى، وهي أنه عندما أرادوا فحص قلم إذا كان يعمل، كتبوا فيه “عماليق” ووضعوا خطًا، وهذا شطب، وهذه آلية لكيفية محو ذكرى عماليق، وتناول ذلك الحاخامان من العصور الوسطى، شلومو يتسحاقي (وهو حاخام فرنسي يعرف باسمه المختصر “راشي”) والرامبام، ويقول ’راشي’ إن كرسي الرب لا يكون كاملًا إلى حين يتم محو اسم عماليق كله”.
المصدر: موقع عرب 48
موقع قناة الإتحاد الفضائية موقع تلفزيوني اخباري شامل