تصريح توم براك يكشف أن مفتاح إنهاء الحرب ليس في بيروت وحدها
كتب منير شحادة
لم يكن كلام المبعوث الأميركي توم براك عن ضرورة إشراك إيران وحزب الله في أي تسوية لبنانية مجرد تفصيل عابر في مقابلة إعلامية، ولا ينبغي اختزاله في عنوان سياسي من نوع (تفخيخ مسار اتفاق الإطار التفاوضي). فالأهمية الحقيقية لهذا التصريح تكمن في مكان آخر تمامًا: واشنطن نفسها تقرُّ، ولو بصورة غير مباشرة، بأن الحرب في لبنان لا يمكن أن تُحلَّ من خلال المسار اللبناني-“الإسرائيلي” وحده، وأن الأطراف التي تمتلك تأثيرًا فعليًا في المعادلة لا يمكن إقصاؤها من أي تسوية نهائية.
وبحسب مقابلة براك مع الإعلامي ماريو نوفل، فإن المبعوث الأميركي رأى أن جمع القوى اللبنانية حول طاولة واحدة لن يكون كافيًا إذا بقيت إيران وحزب الله خارج المعادلة، متسائلًا عمليًا: كيف يمكن أن ينتهي هذا الملف إذا لم يشارك الطرفان؟ وهنا تحديدًا تبدأ القراءة الاستراتيجية.
من (من يمثل لبنان؟) إلى (من يملك القدرة على إنهاء الحرب؟)
المشكلة الأساسية في مقاربة الملف اللبناني منذ اندلاع الحرب ليست فقط في شكل المفاوضات، بل في تعريف الأطراف القادرة فعليًا على إنتاج وقف مستدام للنار. قد تكون الدولة اللبنانية هي الجهة الدستورية والسياسية التي تفاوض باسم لبنان، وهذه مسألة سيادية لا نقاش فيها. لكن التفاوض الرسمي شيء، والقدرة على ضمان تنفيذ أي تفاهم على الأرض شيء آخر. وهذا التفريق أساسي.
فإذا كان المطلوب إنهاء حرب ذات أبعاد إقليمية، ووقف العمليات العسكرية، وترتيب الانسحاب “الإسرائيلي”، وضمان الهدوء على الحدود، ومعالجة مسألة السلاح، ومنع تجدد المواجهة، فإن تجاهل القوى التي تمتلك نفوذًا مباشرًا في هذه الملفات لن يؤدي إلا إلى إنتاج اتفاق ناقص.
وهنا تصبح عبارة براك ذات دلالة كبيرة. فالرجل لا يقول بالضرورة إن إيران يجب أن تحل محل الدولة اللبنانية، ولا إن حزب الله يجب أن يحل محل المؤسسات اللبنانية، بل يقول، بصورة أكثر واقعية، إن تجاوزهما لا ينتج حلًا. وهذه نقطة مختلفة تمامًا.
الدولة اللبنانية تفاوض… ولكنها تحتاج إلى تفاهم مع أصحاب التأثير
يمكن للبنان أن يتمسك بحقه في أن تكون الدولة هي صاحبة القرار السياسي والدبلوماسي، وفي الوقت نفسه أن يدرك أن الدولة لا تقوى على إنهاء حرب بمجرد إعلانها أنها تريد إنهاءها. فالقرار السياسي يحتاج إلى تفاهمات داخلية، والتفاهمات الداخلية تحتاج إلى قبول القوى المؤثرة، والتسوية الأمنية تحتاج إلى ضمانات من الأطراف القادرة والمشاركة في الحرب. وهذا ليس انتقاصًا من سيادة الدولة، بل هو جزء من واقعية التفاوض.
لقد أظهرت التطورات الأخيرة أن الرئيس جوزاف عون يحاول الدفع باتجاه مسار تفاوضي مباشر مع “إسرائيل”، فيما تؤكد واشنطن استمرار دعم هذا المسار. وكان الرئيس عون قد أعلن في ١٧ آب أن لبنان لا يتراجع عن صيغة الإطار التي توصل إليها مع “إسرائيل”، مع التعويل على الدور الأميركي في تنفيذها.
لكن السؤال الذي يطرح نفسه هو: هل تستطيع الدولة اللبنانية وحدها تحويل أي اتفاق إلى سلام فعلي إذا بقي الطرف الأساسي في المعادلة العسكرية والسياسية خارج التسوية؟ هنا يأتي تصريح براك ليقدم، من داخل الإدارة الأميركية نفسها، جوابًا يحمل قدرًا كبيرًا من الواقعية.
لماذا إيران تحديدًا؟
قد يبدو للوهلة الأولى أن إدخال إيران في المفاوضات اللبنانية–”الإسرائيلية” تعقيد إضافي. لكن عند النظر إلى المشهد الإقليمي، تصبح الصورة أكثر وضوحًا. لبنان لم يعد يعيش أزمة حدودية منفصلة عن المنطقة. منذ سنوات، أصبح الجنوب اللبناني جزءًا من شبكة أمنية وسياسية تمتد من بيروت إلى طهران، مرورًا بساحات إقليمية أخرى.
وفي المقابل، فإن “إسرائيل” لا تتعامل مع حزب الله باعتباره مشكلة لبنانية داخلية فقط، بل تعتبره جزءًا من منظومة النفوذ الإيراني في المنطقة. والولايات المتحدة نفسها تؤكد هذا الترابط في سياساتها الأخيرة. ففي ٢٠ آب، أعلنت واشنطن عقوبات جديدة على حزب الله، وربطت في بيانها بين الحزب والحرس الثوري الإيراني، في خطوة تؤكد أن الإدارة الأميركية تنظر إلى الملف اللبناني أيضًا من زاوية المواجهة مع إيران.
إذًا، عندما تكون واشنطن نفسها تربط الحزب بإيران، وعندما ترى “إسرائيل” أن أمنها في الشمال مرتبط بالحزب وإيران، يصبح من الصعب منطقيًا القول إن إيران لا علاقة لها بالتسوية التي يفترض أن تنهي الحرب.
المفارقة الأميركية
هنا تظهر المفارقة الأكثر إثارة للاهتمام. من جهة، تدفع واشنطن باتجاه حصر السلاح بيد الدولة اللبنانية، وتدعم الرئيس عون في بناء سلطة الدولة. ومن جهة أخرى، يقول مبعوثها إن الحل لن يكون ممكنًا إذا بقي حزب الله وإيران خارج المعادلة.
قد يبدو الأمر متناقضًا، لكنه في الحقيقة يكشف الفرق بين هدف سياسي طويل الأمد وحاجة تفاوضية عاجلة. قد تريد واشنطن أن تصبح الدولة اللبنانية صاحبة القرار الأمني والعسكري الحصري في المستقبل لغايات معروفة، لكنها في الوقت نفسه تعرف أن الوصول إلى هذه المرحلة لا يمكن أن يتم بمجرد إصدار قرارات سياسية. فالواقع اللبناني أكثر تعقيدًا.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس: هل يجب أن تشارك إيران وحزب الله بدلًا من الدولة؟ بل: كيف يمكن إشراكهما في تسوية تقود في النهاية إلى تقوية الدولة وليس إلى إضعافها؟ وهنا تكمن الصيغة الأكثر واقعية للخروج من المأزق.
لا يمكن صناعة التسوية مع طرف يُطلب منه تنفيذ اتفاق لم يشارك في صياغته
هذه قاعدة تكاد تكون بديهية. إذا كانت التسوية ستفرض التزامات على حزب الله، فمن الطبيعي أن يكون للحزب دور في التفاهم الذي سينتج هذه الالتزامات. وإذا كان جزء من التسوية مرتبطًا بالعلاقة اللبنانية–الإيرانية، فلا يمكن تجاهل طهران. وإذا كان الجزء الآخر متعلقًا بالانسحاب “الإسرائيلي” والحدود والترتيبات الأمنية، فلا بد أن تكون “إسرائيل” طرفًا. وإذا كان التنفيذ يحتاج إلى ضمانات دولية، فإن الولايات المتحدة والقوى الدولية تصبح جزءًا من منظومة الضمان.
وبذلك لا تعود المعادلة: لبنان + “إسرائيل” = حل، بل تصبح: لبنان + “إسرائيل” + القوى المؤثرة في لبنان والمنطقة + ضمانات دولية = فرصة حقيقية لتسوية قابلة للحياة.
وهذه ليست دعوة إلى تحويل لبنان إلى ساحة إقليمية جديدة، بل محاولة لإخراجه من الحرب الإقليمية عبر الاعتراف بحقيقتها.
أخطر ما يمكن فعله هو التفاوض مع صورة لبنان لا مع لبنان الحقيقي
قد يكون من السهل سياسيًا القول إن الدولة اللبنانية هي الطرف الوحيد الذي يجب أن يتفاوض. لكن السياسة الواقعية لا تتعامل مع الأمنيات، بل مع موازين القوى. فإذا كانت الولايات المتحدة و”إسرائيل” تعتبران أن حزب الله وإيران جزء من المشكلة، فإن المنطق نفسه يقتضي التعامل معهما كجزء من الحل. وإلا فإن أي اتفاق قد يتحول إلى وثيقة سياسية لا تملك القدرة الكافية على وقف الحرب. وهذا هو الخطر الحقيقي.
يمكن أن توقع الحكومات اتفاقًا، ويمكن أن تتبادل الوفود المصافحة، ويمكن أن تعلن واشنطن نجاح الوساطة، لكن إذا بقيت جذور الصراع من دون معالجة، فإن الحرب ستعود عند أول أزمة إقليمية.
توقيت كلام براك ليس تفصيلًا
الأهم من مضمون التصريح هو توقيته. جاء الكلام في مرحلة يحاول فيها الرئيس عون تثبيت مسار تفاوضي مع “إسرائيل”، بينما لا تزال واشنطن تضغط باتجاه تنفيذ ترتيبات الإطار، وفي وقت تستمر فيه المواجهة السياسية والأمنية حول مسألة سلاح حزب الله.
لذلك فإن كلام براك يمكن قراءته أيضًا باعتباره رسالة إلى جميع الأطراف: لا يمكن إنهاء الأزمة اللبنانية عبر مسار أحادي الجانب.
وهذه الرسالة لا تعني بالضرورة أن واشنطن غيَّرت سياستها تجاه حزب الله أو إيران. فالعقوبات الأميركية الأخيرة تؤكد استمرار سياسة الضغط. لكنها تعني شيئًا آخر أكثر أهمية: العقوبات والضغط قد يكونان أدوات تفاوض، لكنهما لا يشكلان وحدهما تسوية.
منطق (الضغط أولًا ثم التفاوض) أمام اختبار الواقع
لطالما اعتمدت السياسة الأميركية في المنطقة على الضغط لإجبار الخصم على تقديم تنازلات. لكن التجربة اللبنانية تقول إن الضغط وحده قد لا يكون كافيًا.
فإذا كان الهدف النهائي هو نزع فتيل الحرب، فإن دفع حزب الله وإيران إلى خارج العملية السياسية لن يجعل تأثيرهما يختفي. وقد يكون العكس صحيحًا: كلما شعر طرف بأنه مستبعد من التسوية التي ستحدد مستقبله، ارتفعت احتمالات رفضه لها.
ومن هنا يمكن أن يكون الاعتراف بدور إيران والحزب ليس تنازلًا عنهما، بل وسيلة لإدخالهما في مسار يمكن من خلاله انتزاع تنازلات منهما مقابل تنازلات من الطرف الآخر. وهذا هو جوهر أي عملية تفاوضية ناجحة.
إيران ليست المشكلة… و”إسرائيل” ليست خارج المعادلة
هناك نقطة أخرى يجب عدم تجاهلها. إذا كان المطلوب من إيران أن تساهم في إنهاء الحرب، فإن المطلوب أيضًا من “إسرائيل” أن تقدم ما يجعل التسوية قابلة للتسويق لدى الجانب اللبناني والإيراني.
لا يمكن أن يكون التفاوض مجرد آلية للحصول على تنازلات لبنانية بشأن السلاح، بينما تبقى مسألة الانسحاب “الإسرائيلي” أو الاعتداءات أو الضمانات الأمنية معلقة. الرئيس عون نفسه ربط انسحاب “إسرائيل” من الأراضي اللبنانية المحتلة بتمكين الدولة من بسط سلطتها على كامل أراضيها وإنهاء المظاهر المسلحة.
وهذه المعادلة تستحق أن تكون في قلب أي تسوية: انسحاب مقابل ترتيبات أمنية، وضمانات مقابل التزامات، ووقف الاعتداءات مقابل إجراءات لبنانية قابلة للتحقق. أما مطالبة طرف واحد بتقديم كل شيء مسبقًا، فهي ليست مفاوضات، بل شروط استسلام.
المطلوب ليس (طاولة إيرانية) بل مسار إقليمي متعدد المستويات
ربما يكون الخطأ في تفسير كلام براك هو الاعتقاد أن إشراك إيران يعني بالضرورة وضعها على طاولة لبنانية-“إسرائيلية” واحدة. الأكثر واقعية هو إنشاء مسارين متوازيين:
مسار لبناني-“إسرائيلي” يعالج الحدود والانسحاب والاعتداءات والترتيبات الأمنية، ومسار أميركي-إيراني يعالج الملفات الإقليمية الأوسع التي تؤثر مباشرة في الساحة اللبنانية.
أما حزب الله، فيمكن أن يدخل في المسار اللبناني الداخلي بوصفه طرفًا لبنانيًا له وزن سياسي وشعبي وعسكري، بحيث يجري التفاوض معه على آليات تنفيذ أي تسوية.
بهذه الطريقة لا تصبح الدولة اللبنانية مجرد واجهة لتفاوض الآخرين، ولا يصبح الحزب بديلًا عن الدولة، ولا تصبح إيران صاحبة القرار في لبنان. بل تصبح الأطراف الثلاثة أمام معادلة أكثر عقلانية: الدولة تفاوض باسم لبنان، والحزب يشارك في ضمان التنفيذ، وإيران تدخل من البوابة الإقليمية التي ترتبط بها الأزمة.
ما بعد براك: هل نقترب من الاعتراف بأن الحرب إقليمية؟
أهمية تصريح براك أنه نقل النقاش من سؤال (من يفاوض “إسرائيل”؟) إلى سؤال أكثر عمقًا: من يستطيع إنهاء الحرب؟ وهذان سؤالان مختلفان.
قد تكون الدولة اللبنانية هي الجهة التي تفاوض باسم لبنان، وهذا حق سيادي. لكن لا يمكن للدبلوماسية أن تتجاهل ميزان القوى الحقيقي. وفي المقابل، لا تستطيع إيران أن تتحدث باسم لبنان، ولا يستطيع حزب الله أن يحل محل الدولة.
الحل يكمن في الجمع بين الأمرين: دولة لبنانية صاحبة القرار السياسي، وتفاوض شامل يعترف بجميع القوى القادرة فعليًا على تعطيل الحرب أو إنهائها.
الاعتراف بالواقع قد يكون الطريق إلى تغييره
قد يكون أكثر ما كشفه توم براك، من دون أن يقصد، أن الحرب اللبنانية لم تعد قابلة للحل بالمعادلة التقليدية. لا يكفي أن تجلس بيروت و”تل أبيب” إلى الطاولة، ولا يكفي أن تضغط واشنطن على لبنان، ولا يكفي أن تطالب “إسرائيل” بنزع سلاح حزب الله، ولا يكفي أن تقول طهران إنها تدعم لبنان. كل هذه الأطراف موجودة في المعادلة بطريقة أو بأخرى.
لذلك فإن الطريق الأكثر واقعية لإنهاء الحرب يبدأ من الاعتراف بحقيقة بسيطة: لا يمكن أن تصنع تسوية في لبنان ضد طرف يمتلك القدرة على إفشالها، ولا يمكن في الوقت نفسه أن تصنعها على حساب الدولة اللبنانية.
المعادلة الصحيحة ليست (إيران أو لبنان)، ولا (حزب الله أو الدولة)، المعادلة هي: لبنان أولًا، لكن من خلال تسوية لا تتجاهل إيران ولا حزب الله..
وإذا كان كلام براك قد أزعج المسار التفاوضي، فإن قيمته السياسية الأهم ربما تكون أنه كشف حدود هذا المسار: لا يمكن اختزال حرب إقليمية داخل حدود لبنان ثم مطالبة اللبنانيين وحدهم بإنتاج “السلام”.
فالسلام الحقيقي يحتاج إلى من يفاوض، ومن يضمن، ومن يلتزم، ومن يملك القدرة على وقف النار. ومن هنا، فإن إشراك إيران وحزب الله في صناعة التسوية لا يعني بالضرورة تسليم لبنان للخارج، بل قد يكون، إذا أحسن تصميمه، الطريق الوحيد لإخراج لبنان من حرب تتجاوز قدرته وحده على إنهائها.
نقلا عن موقع العهد الإخباري
موقع قناة الإتحاد الفضائية موقع تلفزيوني اخباري شامل