واشنطن تدخل مرحلة المواجهة
فوز الديمقراطيين في الانتخابات النصفية الأميركية يمنحهم السيطرة على مجلسَي النواب والشيوخ، ويفتح مرحلة مواجهة مع الرئيس دونالد ترامب بشأن التشريعات والتعيينات والرقابة على الإدارة.
تحوّلت الانتخابات النصفية الأميركية، التي أُجريت في الثالث من تشرين الثاني الجاري، إلى استفتاءٍ على أداء الرئيس الأميركي دونالد ترامب وسياسات إدارته ومستقبل الحزب الجمهوري. فقد حقق الديمقراطيون فوزاً كاسحاً، انتزعوا من خلاله السيطرة على مجلسَي النواب والشيوخ، في تحول يعيد رسم موازين القوى في واشنطن ويمهّد لمنافسة رئاسية حادّة عام 2028.
ووفقاً للنتائج الأولية المعلنة حتى اليوم، حصد الديمقراطيون 54 مقعداً في مجلس الشيوخ مقابل 44 للجمهوريين، فيما لا تزال المنافسة مفتوحة على مقعدين في ألاسكا ومسيسيبي. وفي مجلس النواب، حصل الديمقراطيون على 240 مقعداً مقابل 147 للجمهوريين، ليضمنوا أغلبية مريحة.
وقبل الانتخابات، كان الجمهوريون يسيطرون على مجلس الشيوخ بـ53 مقعداً، مقابل 45 للديمقراطيين ومستقلَّين يتحالفان معهم. أمّا مجلس النواب، فكان يضم 218 جمهورياً و214 ديمقراطياً ومستقلاً واحداً، إلى جانب مقعدين شاغرين.
ولم يقتصر التقدم الديمقراطي على الولايات المتأرجحة، بل امتد إلى معاقل جمهورية تقليدية، أبرزها تكساس وكانساس وكارولاينا الجنوبية وآيوا وأوهايو، وفق إعلام أميركي، ما يشير إلى تراجع نفوذ الجمهوريين في مناطق لطالما شكّلت قاعدة انتخابية قوية لهم.
ترامب يفقد الغطاء التشريعي ويلوح بـ«الفيتو»
سياسياً، تمثّل الخسارة الجمهورية نهاية مرحلة سيطرة الحزب على البيت الأبيض والكونغرس معاً. فاعتباراً من الثالث من كانون الثاني 2027، سيواجه ترامب كونغرساً يسيطر عليه الديمقراطيون، بعدما كان يحظى بدعم الأغلبية الجمهورية في المجلسين. لكن هذا التحول لا يعني انتقال السلطة التنفيذية إلى خصومه.
فبموجب الدستور الأميركي، لا يستطيع الكونغرس انتزاع صلاحيات الرئيس أو فرض القوانين عليه منفرداً. إذ يتطلب إقرار التشريعات العادية موافقة مجلسَي النواب والشيوخ، ثم توقيع الرئيس، الذي يستطيع الاعتراض عليها باستخدام حق النقض (الفيتو). ولا يمكن تجاوز هذا الاعتراض إلاّ بأغلبية الثلثين في كل مجلس، وهي نسبة لا يملكها الديمقراطيون وحدهم. وقد لوّح ترامب باستخدام هذه الصلاحية بنشر صورة عبر منصته «تروث سوشال» لقبعة كُتبت عليها كلمة «VETO».
في المقابل، ستواجه أجندة ترامب التشريعية عقبات كبيرة، إذ سيصعب عليه تمرير تخفيضات ضريبية جديدة أو تعديلات واسعة على قوانين الرعاية الصحية والهجرة والإنفاق من دون التفاهم مع الديمقراطيين. وتزيد قاعدة التعطيل التشريعي (Filibuster) هذه الصعوبات، إذ تسمح بإطالة النقاش في مجلس الشيوخ ومنع الانتقال إلى التصويت النهائي، ما لم تتوافر عادةً أغلبية من 60 صوتاً لإنهائه. وبذلك، يصبح التوافق بين الحزبين ضرورياً لإقرار معظم التشريعات الكبرى، باستثناء تلك الخاضعة لإجراءات خاصة.
أمّا التغيير الأكثر مباشرة، فسيظهر في اللجان البرلمانية التي سيتولى الديمقراطيون رئاستها وتحديد أولويات عملها. وتمنح هذه اللجان الكونغرس أدوات رقابية مهمة، أبرزها استدعاء المسؤولين والشهود، والمطالبة بالوثائق والسجلات، وإجراء التحقيقات في أداء المؤسسات الحكومية. في السياق، أعلنت القيادة الديمقراطية عزمها التركيز على «القدرة على تحمّل تكاليف المعيشة والمساءلة»، بما يشمل فتح تحقيقات بشأن سياسات إدارة ترامب.
وسيكون للتحول في مجلس الشيوخ أثر واضح على التعيينات الرئاسية، إذ يتطلب تعيين السفراء والقضاة الفدراليين وقضاة المحكمة العليا وكبار المسؤولين موافقة المجلس. وبالتالي، يستطيع الديمقراطيون رفض مرشحي ترامب أو تأخير البتّ في تعييناتهم.
أمّا عزل الرئيس، فيبدأ بتوجيه الاتهام إليه من مجلس النواب، على أن يتولى مجلس الشيوخ محاكمته. وتتطلب إدانته وعزله موافقة ثلثي أعضاء المجلس الحاضرين. لذلك، قد يتمكن الديمقراطيون من فتح تحقيقات وإطلاق إجراءات العزل، لكن إدانة ترامب لن تكون ممكنة بأصواتهم وحدهم، بل ستحتاج إلى دعم عدد من الجمهوريين.
ولن تقتصر تداعيات الفوز الديمقراطي على الصراع بين البيت الأبيض والكونغرس، بل ستطال ملفات تؤثر مباشرة في حياة الأميركيين، أبرزها تكاليف المعيشة والرعاية الصحية والهجرة.
فالديمقراطيون، الذين استفادوا من الاستياء الشعبي حيال ارتفاع الأسعار والسياسات الاقتصادية، سيسعون إلى استثمار فوزهم في حماية برامج الرعاية الصحية والحد من خفض الإنفاق الاجتماعي. لكن تنفيذ هذه الوعود سيبقى مرهوناً بقدرتهم على التوصل إلى تسويات مع الإدارة الجمهورية.
أما الهجرة، التي تشكّل ركناً أساسياً في خطاب ترامب، فستصبح ساحة مواجهة رئيسية. إذ يستطيع الكونغرس الحد من التمويل المخصص لبعض سياسات الإدارة، وتشديد الرقابة على الأجهزة المسؤولة عن إنفاذ قوانين الهجرة، لكنه لا يملك صلاحية إلغاء جميع القرارات التنفيذية للرئيس.
وسيكون الإنفاق الفدرالي إحدى أبرز أدوات الضغط المتبادل. فالفشل في الاتفاق على تمويل المؤسسات الحكومية قد يؤدي إلى إغلاق جزئي للحكومة الفدرالية، ما يضع الطرفين أمام مواجهة سياسية قد يدفع المواطنون ثمنها.
وعلى صعيد السياسة الخارجية، سيحتفظ ترامب بصلاحيات واسعة في إدارة العلاقات الدولية، لكنه سيواجه رقابة أكبر من الكونغرس. ومن المتوقع أن تتركز الخلافات على الحرب مع إيران والإنفاق الدفاعي والسياسات التجارية والرسوم الجمركية. فبإمكان الكونغرس استجواب المسؤولين ومراجعة المخصصات المالية والضغط لتعديل بعض السياسات، لكنه لا يستطيع فرض تغيير شامل في توجهات الإدارة من دون تعاون البيت الأبيض.
وبالنسبة إلى حلفاء واشنطن وخصومها، قد تؤدي هذه الحكومة المنقسمة إلى مزيد من الغموض بشأن قدرة الولايات المتحدة على اتخاذ قرارات كبرى وتنفيذها، خصوصاً تلك التي تتطلب تمويلاً أو موافقة من الكونغرس.
المصدر: موقع صحيفة الأخبار
موقع قناة الإتحاد الفضائية موقع تلفزيوني اخباري شامل