عون يلتزم تعليمات روبيو: ممنوع وقف المفاوضات
التشاؤم الذي يحيط بحركة أركان الحكم ومواقف الطبقة السياسية في لبنان لا يعود فقط إلى العجز عن إنتاج إطار وطني يجمع كلّ من هم في موقع المسؤولية، لصياغة مسار يعكس حقيقة مصالح لبنان. بل يعود أيضاً إلى أن الرئيسين جوزيف عون ونواف سلام أطاحا بكل قواعد الحكم الدستوري، ولم يعودا يهتمّان إلّا بإرضاء الولايات المتحدة والسعودية، فيما تئنّ البلاد تحت وطأة الفوضى الشاملة. كما أنه ليس لديهما، ولدى داعميهما في واشنطن والرياض وحفنة ناهبي المال العام، سوى شماعة المقاومة لإلقاء اللوم عليها في كل ما يحصل.
ولا يبدي هذا الفريق أي اهتمام بإعادة تدوير أوهامه المتعلّقة بالمفاوضات. وما بات يقوله عون لسائليه عن مستقبلها لا يتجاوز تكرار التهديد الإسرائيلي: ليس أمامنا سوى نزع السلاح، ولو بالقوة، وإلا فإن إسرائيل ستوسّع احتلالها، ولن يسأل العالم عنا!
وعون، الذي يكرّر أنه متفاهم على كل الخطوات مع سلام ومع الرئيس نبيه بري، يسعى إلى الاستفادة من أي تمايز يظهر بين بري وحزب الله، ولا سيما في ما يتعلّق بتصريحات بري الأخيرة التي قال فيها إن إسرائيل قادرة على الوصول إلى حيث تريد. وقد فسّر عون كلام رئيس المجلس على أنه إقرار بأن المقاومة ليست قادرة على منع توسّع الاحتلال أو ردع العدوان، ما دفعه إلى الذهاب أبعد في تفسيره: بري يقول ضمناً للحزب، اترك السلاح!
وعون، الذي يحاول انتزاع شرعية شعبية خارج النادي المسيحي، لم يجد، عندما قصد النبطية، طريقة لتقديم صورة رئيس الدولة. وكلّ الحديث عن الأسباب الأمنية لا ينفي أنه تلقّى نصائح من مساعديه بأن يأخذ في الاعتبار احتمال تجمّع مناصرين لحزب الله وتعرّضهم له بالشتائم. ومع أن عون يُفترض به أن يعرف أخلاق الجنوبيين، وأخلاق المقاومين، إلا أنه أخذ بنصائح مستشاريه والأمنيين من حوله، وقرّر زيارة النبطية «بطريقة شبه سرّية»، رغم أن الترتيبات الأمنية سبقته عبر إجراءات واسعة، شملت إبلاغ نواب وشخصيات بطريقة سرّية أيضاً، مع تمنيات على الرئيس بري بأن يضمن من جانبه عدم التعرّض له أثناء وجوده هناك.
أمّا العبارة الوحيدة التي قالها عون، والتي عكس فيها رغبة مستقبليه، فكانت حين أعلن أنه لا موعد جديداً للمفاوضات مع إسرائيل. وكأنه حاول القول إنه لن يرسل الوفد قبل الحصول على مكاسب مضمونة من الجانب الآخر، علماً أن المسؤول عن الملف، والذي يمثّل اليوم مرجعية وحيدة لعون، أي وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، كان قد أبلغه بأنه ممنوع عليه مقاطعة المفاوضات، وأن الترتيبات الخاصة بالاجتماع المقبل ستأخذ في الاعتبار وجود مناسبة لمؤتمر دعم الجيش في باريس.
لكنّ لقاء روما الذي أُجّل كان أيضاً بسبب انشغال المسؤولين الإسرائيليين بأعيادهم، ناهيك عن إبلاع سفير إسرائيل في الولايات المتحدة سفيرة لبنان ندى حمادة بأنه لا يوجد أي تقدّم جدّي من جانب لبنان، وأن البحث العملاني يجب أن ينحصر في الجانب العسكري والميداني. وهو ما دفع القيادة المركزية الأميركية إلى الدعوة لعقد اجتماع عسكري في مقرها في تامبا بولاية فلوريدا، حيث سيفرض الأميركيون آلية تنسيق تقوم أساساً على عدم وجود مراقبين، أي عدم وجود القوات الدولية، ولا أي قوات أخرى بعد انتهاء ولاية «اليونيفل» في نهاية السنة.
وفي إسرائيل، كان لزيارة عون إلى النبطية حضورها أيضاً. فقد قالت صحيفة «إسرائيل هيوم» إن الزيارة إلى الجنوب تندرج في سياق الصراع على السلطة والنفوذ في لبنان، وربطتها بالتوتر بين عون وحزب الله. وفي السياق نفسه، كرّرت الصحيفة مطلب العدو حصر النقاش في آليات التحقّق من تفكيك السلاح، فيما تطالب بيروت بوقف أشمل لإطلاق النار، والتزام إسرائيلي بالانسحاب، وتنفيذ إطار الاتفاق بكل بنوده.
وكشفت القناة 12 الإسرائيلية أن جولة المفاوضات الإسرائيلية – اللبنانية، التي كان مُقرّراً عقدها في روما، أُرجئت إلى تشرين الأول، على أن تتواصل الاتصالات عبر لقاء بين سفيري لبنان والعدو في وزارة الخارجية الأميركية في واشنطن. وبحسب الصورة التي ترسمها التغطية العبرية، فإن القنوات السياسية لم تنهَر، لكنها تتحرك بوتيرة أبطأ من التطورات العسكرية المتسارعة في الجنوب.
صيغة أمنية جديدة!
في هذه الأثناء، واصل العدو استراتيجية التدمير والقصف المفتوح في مختلف أقضية الجنوب. لكنّ اللافت، بعد تفجير مرتفع علي الطاهر، أن إعلام العدو بدأ يولي اهتماماً لما سمّاه: «ماذا بعد الضربة؟»، ومن سيتولى الإمساك بالجنوب في حال تراجع نفوذ حزب الله؟
وفي خلفية التطورات الميدانية، تحتل ترتيبات «اليوم التالي» مساحة متزايدة مع اقتراب انتهاء مهمة «اليونيفل»، بحيث يُفترض أن يصبح الجنوب تحت سلطة الحكومة اللبنانية وحدها. غير أن النقاش الإسرائيلي يكشف شكوكاً كبيرة في قدرة الجيش اللبناني، بصيغته الحالية، على ملء هذا الفراغ وحده، إذ يرى أن الخطة الرامية إلى نزع السلاح وانسحاب إسرائيل وتسليم المناطق إلى الجيش اللبناني «لا تتقدّم كما كان متوقعاً». فالعدو يرى أن الجيش يواجه صعوبات في تفتيش المنازل والمُنشآت داخل القرى، فيما لا يزال الخلاف قائماً حول الجهة التي ستراقب أداءه والمعايير التي ستتيح لإسرائيل بدء الانسحاب.
ويضاف إلى ذلك النقاش المفتوح حول قوات «اليونيفل»، التي تتهمها إسرائيل بالفشل في منع تعاظم قوة حزب الله، فيما تمارس تل أبيب مزيداً من الضغط من أجل «نقل المسؤولية الأمنية في الجنوب إلى الحكومة والجيش اللبنانيَّيْن».
وهنا تظهر الفجوة بين ما تعتبره إسرائيل «إنجازاً عسكرياً» والترتيب السياسي الذي يُفترض أن يعقبه. فرغم إعلان العدو تحقيق «سيطرة عملياتية» على مرتفع علي الطاهر وتدمير شبكة أنفاق ومُنشآت لحزب الله، فإنه يربط، في الوقت نفسه، انسحابه الأوسع بتقدّم عملية نزع سلاح الحزب وانتشار الجيش اللبناني. وهو ما يجعل السؤال الإسرائيلي بعد العمليات العسكرية لا يقتصر على كيفية ضرب بنية حزب الله، بل يتجاوز ذلك إلى سؤال: من سيتولى منع إعادة بنائها بعد الانسحاب؟ والأهم، من سيتحقّق من ذلك على الأرض؟
وفيما سجل أمس قصف مدفعي متقطّع استهدف حرج علي الطاهر، افادت القناة 12 الإسرائيلية، بان إسرائيل تدرس إمكان إدخال الجيش اللبناني إلى منطقة علي الطاهر والمناطق المحيطة بها. ومن جهته، اكد وزير الدفاع الاسرائيلي يسرائيل كاتس «اننا لن نغادر المنطقة الأمنية ولن ننسحب أو نعيد انتشارنا في جنوب لبنان قبل نزع سلاح حزب الله». وشدد على أن مرتفعات علي الطاهر «جزء من الخط الأصفر ومنطقة الأمن الإسرائيلية في لبنان، وكل من يقترب من المرتفعات سيتم القضاء عليه».
إلى ذلك، عاد إعلاميون في إسرائيل إلى الحديث عن أن جيش العدو يناقش مُقترحاً أمنياً للانسحاب إلى مسافة لا تتجاوز أربعة كيلومترات عن الحدود، فيما يتحوّل الملف اللبناني إلى عنوان للمزايدة في السباق الانتخابي داخل الكيان، ولا سيما أن رئيس وزراء العدو بنيامين نتنياهو لا يزال يدعو إلى توسيع العمليات العسكرية في لبنان وسوريا، بذريعة ضمان أمن مستوطني الشمال.
المصدر: موقع صحيفة الأخبار
موقع قناة الإتحاد الفضائية موقع تلفزيوني اخباري شامل