هجوم أميركي على فصائل السويداء: واشنطن تزكّي العودة إلى «اتفاق عمّان»
بعد «قسد»، يبدو أن واشنطن تتجه إلى تدوير صيغة التسوية نفسها في السويداء؛ أي إبقاء الفصائل المحلية وضمّها إلى الجيش السوري. غير أن الوصول إلى هذه الصيغة سيبقى مرهوناً بموقف إسرائيل، باعتبارها الطرف الخارجي الأكثر تأثيراً في الملف.
في أحدث موقف أميركي معلَن من ملفّ السويداء الذي عاد ليتصدّر المشهد السوري بعد طيّ ملفّ «قوات سوريا الديمقراطية» تقريباً، استغلّ المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا والعراق، توماس برّاك، حادثة قيام «الحرس الوطني» (فصائل السويداء المحلّية) بطرد أحد وجهاء السويداء، وهو عاطف هنيدي، على خلفية انتقاده سياسة «الإدارة الذاتية» الناشئة في المحافظة الواقعة جنوبي البلاد، ليعلن أن بلاده «متمسّكة بخريطة الطريق الموقّعة العام الماضي بمشاركة سوريا والولايات المتحدة والأردن»، معتبراً أن هذه الخريطة «تمثّل السبيل الوحيد لحلّ الأزمة في السويداء».
وفي منشور على منصّة «إكس»، رأى برّاك أن غياب «الحكم الرشيد» سمح لما وصفها بـ«العصابات» بملء الفراغ والتحرّك بدوافع «خبيثة». ويتطابق كلام المبعوث الأميركي مع خطاب السلطات الانتقالية التي تطلق على الفصائل المعارضة لها في السويداء صفة «عصابات خارجة عن القانون». ودعا برّاك إلى «مواصلة بناء التعاون بين الدروز والعشائر في السويداء والدول المجاورة على طول حدود المحافظة»، على أساس «التسامح والتفاهم»، معتبراً أن هؤلاء يشكّلون «أمة واحدة وشعباً واحداً، بثقافات وأديان متنوّعة ومحترمة». كما دعا إلى اعتماد الحوار والتضامن بدلاً من «ردود الفعل الانفعالية».
وفي موازاة ذلك، دافع برّاك عن إجراءات السلطات الانتقالية، قائلاً إن الأخيرة «بدأت في مواجهة الجرائم الجسيمة التي ارتكبتها قواتها في تموز 2025، ومحاسبة المسؤولين عنها أمام محاكمها». ورأى أن السبيل الوحيد للمضيّ قدماً يتمثّل في «حوار يحقّق المساءلة ويعيد الأمن ويمهّد لعودة النازحين وإعادة إعمار ما دمّرته الأحداث»، داعياً جميع الأطراف إلى ضبط النفس والتواصل الجادّ، ومعتبراً أن «البديل من الحوار ليس النصر، بل جولة أخرى من الحداد». وجاء موقف برّاك عقب حادثة عاطف هنيدي، الذي قال المبعوث الأميركي إن فريقه على اتصال به، إلى جانب عدد من الأشخاص الذين وصفهم بأنهم «ضحايا للعنف الطائفي»، وفق تعبيره. وكان هنيدي أصدر بياناً انتقد فيه بشدّة تصريحات المرجع الدرزي، حكمت الهجري، ولا سيما قوله إن الدروز «مشتركو العقيدة مع دولة إسرائيل» وإنهم «جزء لا يتجزّأ من دولة إسرائيل». وبينما أوقف هنيدي وغادر السويداء إلى دمشق، نفت قيادة «الحرس الوطني» رواية الاعتقال، وقالت إنه «عقب التوترات التي شهدتها المجدل وتجمّع عدد من الأهالي في محيط منزل هنيدي على خلفية موقفه الأخير، تحرّكت قوة من الحرس الوطني في القطاع لاحتواء الموقف ومنع أيّ احتكاك يهدّد السلم الأهلي وسلامة المواطنين». وأضافت أن القوة أمّنت خروج هنيدي، قبل أن تنقله، بناءً على رغبته، إلى حاجز قرية أمّ الزيتون، حيث استقلّ سيارة أجرة متوجهاً إلى دمشق.
وبالعودة إلى تصريح المبعوث الأميركي الذي لا يخفي دعمه للسلطات الانتقالية، فهو جاء بعد أيام قليلة من اشتعال بعض خطوط التماس بمواجهات اندلعت بين فصائل «الحرس الوطني» وقوات تابعة للسلطات، استعملت خلالها الأخيرة قذائف وطائرات مسيّرة. وأدّت هذه المواجهات إلى سقوط عدد من الضحايا المدنيين، إلى جانب وقوع أضرار مادّية جسيمة، من دون أن تغيّر في خريطة السيطرة القائمة في السويداء، منذ التدخل الإسرائيلي. وكانت إسرائيل تدخّلت عسكرياً دعماً للفصائل المحلية، متّخذةً من «حماية الدروز» ذريعة لتثبيت موطئ قدم لها في الجنوب السوري، الأمر الذي استغلّه المرجع الدرزي، حكمت الهجري، في قيادة «إدارة ذاتية» ناشئة نتجت من توحيد الفصائل، قبل أن يعلن رغبته في الانضمام إلى إسرائيل، رابطاً مصير السويداء بتل أبيب. ومنذ توحيد الفصائل، تحوّلت هذه الأخيرة إلى أداة أمنية يتمّ استعمالها لقمع أيّ صوت معارض لآراء الشيخ الهجري، الأمر الذي دفع عدداً من وجهاء المحافظة إلى مغادرتها، تماماً مثلما فعل الأمير حسن الأطرش، حفيد الشيخ سلطان باشا الأطرش.
وأمام الموقف الأميركي المعلن، وتمسّك الهجري بارتباطه بإسرائيل، التي تخوض السلطات الانتقالية مفاوضات جديدة معها أملاً في التوصّل إلى اتفاق أمني، يبدو أن ملف السويداء مقبل على مزيد من الضغوط التي تستهدف إعادة فتح باب التفاوض في شأن وضع المحافظة. ولربّما تدفع هذه الضغوط نحو سيناريو مشابه لما جرى مع «قسد»، يقوم على إبقاء فصائل السويداء داخل المحافظة بعد ضمّها إلى الجيش. غير أن الوصول إلى تلك الصيغة سيبقى مرهوناً بموقف إسرائيل، باعتبارها الطرف الخارجي الأكثر تأثيراً في الملف، وبالضغط الأميركي عليها فيه، ومدى استعدادها للتخلّي عن جزء من النفوذ الذي راكمته هناك منذ تدخّلها العسكري العام الماضي، وفي الجنوب السوري عموماً منذ سقوط النظام السابق.
المصدر: جريدة الأخبار
موقع قناة الإتحاد الفضائية موقع تلفزيوني اخباري شامل