جذور منع ارتداء الحجاب في مدارس أذربيجان
أثارت القيود المفروضة على الحجاب في مدارس أذربيجان احتجاجات داخلية وسجالاً سياسياً وإعلامياً مع تركيا، وسط جدل بشأن العلمانية وحرية المعتقد والحق في التعليم.
أثارت إجراءات تتعلق بتطبيق قواعد الزي المدرسي في أذربيجان موجة من الجدل والاستياء في البلاد ذات الغالبية المسلمة، بعدما أفادت تقارير بمنع طالبات ومعلمات محجبات من دخول بعض المؤسسات التعليمية، وسط احتجاجات تخللتها توقيفات طالت عدداً من المشاركين فيها.
من جهتها، تبرّر السلطات الأذربيجانية تشديد ضوابط الزي المدرسي بالسعي إلى ترسيخ مبادئ التعليم العلماني وتوحيد المعايير داخل المؤسسات التعليمية. وتؤكد أنّ الإجراءات ذات طابع تنظيمي وتربوي، ولا تستهدف المعتقدات الدينية، فيما تتحدث عن محاولات لتوظيف القضية في إثارة الجدل والتأثير في الرأي العام.
جذور أزمة الزي المدرسي
لا تبدو هذه التطورات منفصلة عن الجدل المستمر منذ سنوات بشأن موقع الرموز الدينية في المؤسسات التعليمية الأذربيجانية. ففي عهد الرئيس إلهام علييف، شهدت البلاد، الواقعة في منطقة جنوب القوقاز عند ملتقى قارتي آسيا وأوروبا، إجراءات وتشريعات هدفت إلى تعزيز الطابع العلماني للتعليم وتوحيد القواعد الناظمة للمؤسسات المدرسية.
ففي تموز الماضي، أقرّ مجلس النواب تعديلات جوهرية على قانون «التعليم العام»، شدّدت على «دمج قيم الوطنية والعلمانية في البيئة المدرسية». وأعقب ذلك صدور المرسوم الرئاسي رقم (729)، الذي كلّف مجلس الوزراء بوضع ضوابط أكثر صرامة «لضمان الالتزام بالزي المدرسي الرسمي».
وبناءً على هذه التوجيهات، أصدر رئيس الحكومة القرار رقم (309) في أواخر أيلول الماضي، حظر بموجبه أي إضافات أو قطع ملابس تخالف الزي المدرسي المعتمد أو تتعارض مع المبدأ العلماني الناظم للمؤسسات التعليمية. وعلى الرغم من أنّ القرار لم يذكر «الحجاب» صراحةً، سارعت إدارات بعض المدارس إلى تفسيره باعتباره حظراً شاملاً لغطاء الرأس، قبل أن تتوسّع القيود، بموجب تنظيمات إضافية، لتشمل المعلمات والعاملات في المدارس الحكومية.
وتعود جذور الجدل إلى عام 2010، حين أثارت توجيهات منسوبة إلى وزارة التعليم بشأن منع ارتداء الحجاب داخل المؤسسات التعليمية احتجاجات شعبية، قبل احتواء الأزمة من دون التوصل إلى تسوية نهائية. وظلّت المسألة موضع تجاذب خلال السنوات اللاحقة، وصولاً إلى عام 2022، حين اعتمدت الحكومة إطاراً تنظيمياً للزي المدرسي الموحّد، لم يتضمّن إشارة صريحة إلى غطاء الرأس، ما أفسح المجال أمام تفسيرات إدارية متباينة.
ومع بدء تنفيذ الإجراءات الأخيرة، انتقل الجدل إلى ساحات المدارس، حيث شهدت مداخل عدد من المؤسسات التعليمية في العاصمة باكو ومدن أخرى احتكاكات متكررة، إثر منع طالبات ومعلمات محجبات من دخول الصفوف. وأثارت هذه الممارسات غضب العائلات المتضررة، التي نظّمت وقفات احتجاجية وإضرابات دراسية متفرقة، قابلتها الأجهزة الأمنية بتدابير مشدّدة وتوقيفات طالت عدداً من المحتجين.
وفي موازاة ذلك، تتباين المواقف بشأن العلاقة بين العلمانية والحريات الدينية. ففي حين تؤكد السلطات وحزب «أذربيجان الجديدة» الحاكم أنّ توحيد الزي المدرسي يهدف إلى صون الطابع العلماني للمؤسسات التعليمية وتحقيق المساواة بين الطلاب، يرى المعترضون أنّ منع الطالبات المحجبات من متابعة تعليمهن يتعارض مع الضمانات الدستورية المتعلقة بحرية المعتقد والحق في التعليم.
سجال سياسي وإعلامي بين باكو وأنقرة
ولم تبقَ تداعيات القضية محصورة في الداخل الأذربيجاني، بل امتدت إلى العلاقات مع تركيا، مثيرةً توتراً سياسياً وإعلامياً بين البلدين. فقد واجهت القيود المفروضة على الحجاب انتقادات في الأوساط التركية، وسط مقارنات مع مرحلة تشديد حظر الحجاب عام 1997.
وانتقدت أحزاب تركية هذه الإجراءات، فيما اتخذ حزب «العدالة والتنمية» الحاكم موقفاً حذراً، داعياً إلى احتواء الخلاف. في المقابل، وجّه حزب «أذربيجان الجديدة» الحاكم في باكو انتقادات إلى الحزب التركي، متهماً إياه بشنّ حملة إعلامية وسياسية مغرضة ضدّ أذربيجان، والتدخّل في شؤونها الداخلية عبر استغلال ملفات حساسة، في مقدّمها قضية الحجاب والعلاقات مع إسرائيل.
ومن أبرز أسباب التفاعل السياسي والإعلامي في تركيا هو استحضار ذاكرة «أزمة الحجاب»، التي تعود جذورها إلى تداعيات الانقلاب العسكري في 12 أيلول 1980، حين أطاح الجيش بالحكومة المدنية وفرض نظاماً عزّز الرقابة على المؤسسات العامة والجامعات. وشهدت السنوات التالية تشديد القيود على ارتداء الحجاب، ما حرم العديد من الطالبات والموظفات من متابعة تعليمهن أو ممارسة وظائفهن بحرية.
وبلغت الأزمة ذروتها عقب إجراءات 28 شباط 1997، المعروفة بـ«انقلاب ما بعد الحداثة»، عندما ضغطت المؤسسة العسكرية على حكومة نجم الدين أربكان ذات التوجه الإسلامي، لفرض إجراءات مشدّدة تحت شعار حماية علمانية الدولة. وشملت هذه الإجراءات تقييد التعليم الديني وتشديد تطبيق حظر الحجاب في الجامعات والمؤسسات الرسمية، ما أدّى إلى إقصاء أعداد كبيرة من الطالبات والمعلمات والموظفات المحجبات عن مقاعد الدراسة وميادين العمل.
ما الدول التي تفرض قيوداً على الحجاب؟
تفرض دول عدّة حول العالم قيوداً متفاوتة على ارتداء الحجاب الإسلامي أو غيره من الرموز الدينية. ففي فرنسا، يُحظر ارتداء الرموز الدينية الظاهرة، ومنها الحجاب، في المدارس الحكومية الابتدائية والثانوية، كما يُمنع الموظفون العموميون من إظهار الرموز الدينية أثناء أداء مهامهم.
وفي طاجيكستان، أُقرّ عام 2024 قانون يحظر الملابس المصنّفة بأنّها «دخيلة على الثقافة الوطنية»، في خطوة تستهدف الحجاب الإسلامي بصورة أساسية. أمّا النمسا، فقد اعتمدت حظراً للحجاب في المدارس للفتيات دون سن الرابعة عشرة، فيما تفرض كازاخستان وكوسوفو قيوداً على ارتدائه في المؤسسات التعليمية.
المصدر: موقع صحيفة الأخبار
موقع قناة الإتحاد الفضائية موقع تلفزيوني اخباري شامل