الرئيسية » Top » سياسة النيران “الإسرائيلية” في حرب غزة: “هدف ثانوي برر استهداف مئات المدنيين”

سياسة النيران “الإسرائيلية” في حرب غزة: “هدف ثانوي برر استهداف مئات المدنيين”

تكشف شهادات 4 جنود “إسرائيليين” كيف تغيرت سياسة النيران خلال حرب الإبادة في غزة، وعن إلحاق الأذى بأعداد كبيرة من المدنيين ضمن ما يسمى “الأضرار الجانبية” حتى عند استهداف عناصر برتبة منخفضة التي قضت توجيهات قبل الحرب بالتوقف عن متابعتها.

تواصل “إسرائيل” تنفيذ غارات واغتيالات في قطاع غزة في ظل اتفاق وقف إطلاق نار هش بدأ سريانه في 11 تشرين الأول/ أكتوبر 2025، إذ أعلنت في الأيام الأخيرة عن اغتيال قادة بكتائب القسام وسرايا القدس. وفي التقرير أدناه يكشف جنود “إسرائيليون” من وحدات الاستخبارات والطائرات المسيّرة عن الجدالات التي جرت خلال حرب الإبادة، وعن أنه رغم وجود التحذيرات باحتمال إيذاء المدنيين كانت تصدر الأوامر بتنفيذ الاغتيالات.

وبحسب شهادات 4 جنود لصحيفة “هآرتس”، فإنه في الأيام الأولى التي أعقبت هجوم السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023، كان الوضع مختلفا تماما، إذ طُلب من عناصر الاستخبارات العسكرية “الإسرائيلية” إعادة بناء صورة عن “عدو” لم تجمع عنه معلومات ميدانية تذكر طوال أشهر طويلة.

وقبل حرب الإبادة في غزة بنحو عام، أصدرت هيئة الاستخبارات العسكرية “الإسرائيلية” (“أمان”) توصية تقضي بالتوقف عن متابعة المستويات العملياتية الأدنى من رتبة قائد لواء. ورأت القيادة العليا أن إنشاء الحاجز تحت الأرض والسياج الفاصل الجديد جعلا احتمال شن هجوم بري واسع أمرا مستبعدا؛ فتوقف جمع المعلومات عن عناصر حماس الأقل رتبة: ماذا يفعلون، وما أدوارهم، وكيف يكسبون عيشهم، ومع من يتحدثون؟ وغير ذلك.

ويقول الجندي “أ” وهو عنصر في الاستخبارات كان مسؤولا عن أهداف حماس في القطاع: “كان التوجيه: اتركوا كل المستويات الميدانية وقادة الكتائب والسرايا والمقاتلين وعناصر النخبة. ركزوا فقط على قائد لواء فما فوق، وعلى منظومة الصواريخ”، ويضيف: “لم نكن نعرف شيئا عن حماس وجناحها العسكري على المستوى الميداني. في السابع من أكتوبر بدأنا العمل تقريبا من الصفر، محاولين تحديد مواقع أفرادها وعناصرها”.

وبعد الحرب، تحول الفراغ الاستخباراتي إلى جانب الشعور العميق بالفشل والإذلال وجلد الذات، إلى مطاردة محمومة لكل خيط من المعلومات. “أ” هو واحد من أربعة جنود من وحدات الاستخبارات ومنظومة الطائرات المسيّرة تحدثوا إلى “هآرتس” ووصفوا ما شهدوه: تخفيف سريع للمعايير المستخدمة في تعريف “المخرب”، وتغيير حاد في مفهوم التناسب واستخدام الذخائر الثقيلة، وتوسيع كبير للسياسة التي تسمح بقتل مدنيين غير ضالعين بوصف ذلك “أضرارا جانبية” للغارات على الأهداف.

وحتى السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023، كانت سياسة إطلاق النار لدى الجيش “الإسرائيلي” والأجهزة الأمنية تستند إلى حد كبير إلى مبادئ قوانين الحرب الدولية، وفي مقدمتها مبدأ التناسب، إلى جانب السعي المستمر للحد من إصابة المدنيين غير الضالعين. وانعكست هذه السياسة في إجراءات صارمة وآليات موافقة معقدة، ولا سيما في ما يتعلق بالاغتيالات المحددة في المناطق المكتظة بالسكان.

ومن أبرز الأمثلة على ذلك ما حدث في أيلول/ سبتمبر 2003، حين كان آفي ديختر يرأس جهاز الأمن العام (الشاباك). فقد وصلت معلومة استخباراتية بالغة الأهمية عن اجتماع سري لقيادة حماس بكاملها، بمن فيهم أحمد ياسين ومحمد الضيف وإسماعيل هنية، في الطابق العلوي من مبنى في غزة. وكان المخطط الأصلي يقضي بإلقاء قنبلة بوزن ثقيل عليهم، لكنه ألغي في اللحظة الأخيرة خشية إصابة مدنيين في الطوابق السفلى. وبدلا من ذلك، تقرر إلقاء قنبلة تزن ربع طن والتي لم تصب المبنى آنذاك، فيما نجا كبار قادة حماس من الغارة.

وترسم شهادات الجنود اليوم صورة مختلفة تماما للقتال، إذ بات استهداف عنصر محدود الرتبة مبررا لإيقاع أذى بالمدنيين. وتشير الشهادات إلى أن الأعداد الكبيرة لما يسميه الجيش “أضرارا جانبية” لم تكن حوادث منفردة أو أخطاء في تحديد الهوية، بل نتاج سياسة إطلاق نار وُسعت إلى أقصى حد.

عناصر غير مؤهلة في الاستخبارات العسكرية

ويصف الجنود “الإسرائيليون”، في ما يروونه عن الفترة التي أعقبت السابع من تشرين الأول/ أكتوبر، فتح الباب أمام أشخاص غير مؤهلين. يقول الجندي “أ” عن ذلك: “وصل إلى شعبة الاستخبارات العسكرية (’أمان’) أشخاصا من خارج الوحدة من جنود الاحتياط، لم يسبق لبعضهم أن عمل في الاستخبارات قط، لكنهم جاؤوا من أماكن مختلفة. جلسوا في غرفة الأهداف يبحثون عن أكثر الأهداف تفاهة، عن العناصر الهامشية، كي يقتلوها. أي شخص وضع على ’فيسبوك’ رموزا لحماس أو عرف نفسه بأنه من حماس كانوا يضعونه على قائمة الأهداف. بعضهم كانوا فعلا من حماس، وبعضهم مقاتلين أيضا، لكنهم كانوا بالفعل عناصر هامشية”.

ودعم الجندي “د” الذي خدم في غرف الهجمات، أي مراكز القيادة الخلفية التي تعمل بمثابة “عيون” للقوات الميدانية، هذا الوصف مستذكرا كيف تغيرت المعايير وأساليب العمل قائلا: “كانوا يعلموننا دائما أن الأمور ستبدو مختلفة في الحرب، لكننا رأينا أن ما يحدث مختلف تماما؛ فجأة صار الجيش يهاجم حتى أدنى العناصر رتبة بلا تمييز، وكأنهم نسوا إرشادات استخدام الذخيرة، ووصل الأمر إلى حد مهاجمة السائقين لدى حماس”.

ويتكرر في الشهادات التباين بين أهمية الهدف، وقوة الهجوم، والكلفة المدنية التي أُجيزت حوله. ففي 31 تشرين الأول/ أكتوبر 2023، مثلا، ألقت طائرات سلاح الجو قنابل ثقيلة على مجمع واسع في مخيم جباليا شمالي قطاع غزة. وكان الهدف قائد كتيبة وسط جباليا، إبراهيم البياري. وجاء في بيان المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي في تلك الليلة أنه كان من قادة هجوم السابع من أكتوبر، وأنه أدار القتال في شمالي القطاع، وأن “عددا كبيرا” من عناصر حماس قُتلوا إلى جانبه. وأضاف البيان أن إصابته تسببت في انهيار بنية تحت الأرض ومبان مجاورة، مجددا دعوة الجيش للأهالي إلى النزوح جنوبا.

لكن الجنود الذين شاركوا من الجانب الاستخباراتي في التخطيط للغارة يصفونها من زاوية مختلفة تماما، فهم لا يروون فقط ما كان الهدف، بل ما عرفته غرف الهجمات قبل إلقاء القنابل بلحظات. إذ يقول “د”: “كنا نعرف أن البياري موجود تحت الأرض، أسفل عدة مبانٍ كبيرة، لكننا لم نتمكن من تحديد الموقع بدقة، ولا المبنى الذي يقع تحته. لذلك اختيرت عدة مبان كان لا يزال فيها سكان، وتقرر إسقاطها كلها فوق النفق الذي يوجد فيه. لم نُخلِ السكان، لأن قتل البياري قبل أن يهرب كان مهما”.

وبحسب “أ”، الذي شارك هو الآخر في المهمة: “كان واضحا لمن في غرفة الضربات أن عدد المدنيين غير الضالعين الذين قد يتضررون كبير للغاية. وقد قُدّر عددهم المحتمل في حسابات ’الأضرار الجانبية’ في شعبة الاستخبارات العسكرية بنحو 250 إلى 300 شخص، ولذلك أُحيل القرار إلى رئيس الأركان للموافقة المباشرة”. أما الجيش فيقول إن تقدير “الأضرار الجانبية” كان أقل بكثير، لكن عدد الشهداء في النهاية تجاوز ذلك بكثير.

ويقول “أ” إن تقييما للأضرار أجري بعد الغارة لدراسة النتائج على الأرض: “اعتمدنا، من بين أمور أخرى، على المعلومات التي وصلت من حماس، وكنا نعدّها معقولة نسبيا، وإن لم تكن دقيقة 100%. ومع مرور الوقت فهمنا أن عدد القتلى بلغ نحو 250. أذكر أنني ذُهلت من إسقاط عدة مبان مكتظة ومأهولة، ومقتل وإصابة مئات الأشخاص من أجل قتل قائد كتيبة لم يكن، قبل أسابيع قليلة فقط، يُعد حتى هدفا لجمع المعلومات الاستخباراتية”.

وادعى الجيش “الإسرائيلي” ردا على ذلك أن الهجوم: “أُعيد إرساله إلى التخطيط عدة مرات لخفض التوقعات بإصابة المدنيين، التي لم تصل إلى مئات. وبعد الهجوم، (تبين) أن الأضرار تجاوزت التقدير المسبق”. وأضاف أن التحقيق في الهجوم أظهر وجود أنفاق في المنطقة لم يكن الجيش يعرف بها، وأقر بأنها تسببت بانهيار مبان إضافية.

ويتحدث الجندي “د” عن الضغط الشديد الذي صدر عن القوات الميدانية، ويقول إن: “البياري كان يقود في ذلك الوقت قوات تقاتل جنود الجيش الإسرائيلي، وإن استهدافه عُدّ إجراء أمنيا طارئا. لم نتمكن من جمع معلومات إضافية تحدد موقعه بدقة، قيل لنا: إنه يقتل الجنود الآن، ولا بد من مهاجمته، بدافع القلق على القوات الميدانية، وفي النهاية أُجيز الهدف. كانوا يريدون حقا قتل هذا الرجل”.

وبحسب قوله، لم يطرح سؤال ما إذا كان هناك مبرر عملياتي لاستهداف قائد في حماس، في هذه الحالة تحديدا، على حساب إصابة هذا العدد الكبير من المدنيين غير الضالعين. ويعترف “د”: “يصعب عليّ القول إنني ما زلت أعيش هاجس هذه الغارة تحديدا. ما يصعب علي أكثر هو المنظومة التي تقوم على هجوم بعد الآخر، وعلى ’أضرار جانبية’ تصيب عشرات الأشخاص، وأحيانا المئات. يصعب علي أكثر أنني كنت جزءا من منظومة كهذه، مقارنة بمشاركتي في غارة بعينها”.

ومن الأمثلة الأخرى التي ترد في شهادات الجنود اغتيال علي القاضي، وهو قائد سرية من وحدة “النخبة” التابعة لحماس، الذي ادعى الجيش الإسرائيلي أنه كان من قادة الهجوم على معبر “إيرز” في السابع من تشرين الأول/ أكتوبر. وبالنسبة إلى الجنود في غرف الضربات، جسّد التعامل معه التغيير الكبير الذي طرأ على المنظومة. فقبل السابع من تشرين الأول/ أكتوبر، حذّر جندي استخبارات في فرقة غزة من أن القاضي، شأنه شأن عناصر أخرى في “النخبة”، يتصرف على نحو غير اعتيادي، لكن ضابط استخبارات الفرقة تجاهل التحذير. وبعد أيام قليلة من بدء الحرب، أصبح القاضي هدفا ذا أهمية كبيرة، وأُطلقت عليه نيران كثيفة جدا.

ويقول الجندي “أ”: “كان في المنزل مع عائلته، وتقرر قتله. سارع الجيش إلى الإعلان عن اغتياله وعن مدى أهميته، لكنه في الواقع كان الشخص الوحيد الذي نجا من الهجوم، أما القتلى فلم تكن لهم صلة بالهدف، ولم يُقتل هو إلا في وقت لاحق”. وكان مصدر آخر قد قال لـ”هآرتس” في حينه إن القاضي لم يُقتل في ذلك الهجوم، خلافا لما أعلنه المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي، بل قُتل لاحقا.

مستويات “الأضرار الجانبية”

أصبح مصطلح “الأضرار الجانبية” معروفا في منازل كثيرة في إسرائيل خلال الأسابيع الأخيرة، بسبب الجدل حول الفيلم الذي يحمل الاسم نفسه “نازا”، لكنه ليس مصطلحا نظريا. فهو، في لغة المؤسسة العسكرية، تقدير لعدد المدنيين غير الضالعين الذين قد يتضررون في الغارات، ويشكل عنصرا أساسيا في عملية الموافقة على استهداف الهدف.

وبحسب شهادات جنود في منظومة الطائرات المسيّرة الذين تحدثوا إلى “هآرتس” طوال الحرب، تُرجمت سياسة إطلاق النار في منظومة المسيّرات “زيك” إلى ثلاثة مستويات رئيسية؛ الأول هو “المستوى المحدود”، ويعني شنّ هجوم فقط في حال وجود تهديد مباشر وفوري للقوات؛ والثاني هو “المستوى المقيّد”، ويُستخدم لاستهداف المساعدين وعناصر الاستخبارات والمراقبين أيضا؛ أما الثالث وهو “المستوى الموسع”، فيسمح باستهداف كل من يُعد مرتبطا بحماس حاليا أو في السابق.

وفي الوقت نفسه، حُددت مستويات “الأضرار الجانبية” التي يمكن السماح بها من دون الحصول على موافقة استثنائية: “ضرر جانبي ضئيل” يعني أن الهدف لا يحيط به مدنيون، والدرجة الأولى تعني احتمال إصابة ما يصل إلى خمسة مدنيين غير ضالعين، والثانية ما يصل إلى عشرة، والثالثة ما يصل إلى 20، والرابعة ما يصل إلى 40 مدنيا غير ضالع.

وبحسب العنصر “ب”، الذي خدم في منظومة الطائرات المسيّرة طوال الحرب، فقد تقرر منذ بداية القتال أن تعمل المنظومة وفق المستوى الموسّع وبدرجة الأضرار الجانبية الثالثة كخيار افتراضي. أي إن الغارات التي قد يتضرر فيها 20 مدنيا غير مشارك لا تحتاج إلى موافقة أي مسؤول رفيع خارج غرفة الضربات، أما الغارات الاستثنائية فكانت تُحال إلى مستوى كبار الضباط ورئيس الأركان.

وبعد بدء التوغل البري في أواخر تشرين الأول/ أكتوبر 2023، ازدادت المعضلة في غرف الضربات حدّة، وطُلب من عناصر الاستخبارات إنشاء “منطقة آمنة” للقوات المتوغلة عبر تحديد “أهداف عملياتية”، أي أهداف تظهر ميدانيا في الوقت الفعلي أو ضمن خطة التقدم، وقد تشكّل خطرا على القوات أو تعرقل القتال.

ويقول “ج” وهو جندي استخبارات، إنه بعد بضعة أشهر من بدء التوغل البري، طُلب من الغرفة إعداد منطقة لدخول قوات إحدى الفرق إلى مدينة غزة. ويوضح أن المنطقة كانت تضم عدة أبراج سكنية عُدت تهديدا للمقاتلين، وأن التقدير الاستخباراتي رجّح بقاء نحو 25% من السكان في منازلهم. ويقول: “عندما حاولنا الاستفسار عن السكان الذين بقوا هناك، وما إذا كان الأمر معقولا، قيل لنا إنها أهداف عملياتية للقوات الميدانية، لم أستطع استيعاب الأعداد التي نتحدث عنها أو تصديقها”.

ومع ذلك، يشدد “ج” على الجانب الآخر من الموازنة العملياتية، موضحا أن القوات كانت على وشك دخول منطقة مكتظة ومفخخة، وأن انتظار الموافقة على الأهداف أصبح يعرّض حياة الجنود للخطر مباشرة، ويقول: “كلما تقدمنا في التوغل ازداد ضغط الوقت، كان يمكن لقوة تريد الدخول أن تنتظر طويلا إلى أن يُوافق على الغارة، ولذلك هاجمنا في المراحل الأولى حتى عندما لم يكتمل إخلاء السكان. كانت حماية الجنود أولوية، وهذا مفهوم، لكن الأعداد راحت ترتفع وأصبحت غير معقولة”.

استهداف النازحين في المنازل المتضررة والمهجورة

تصف شهادات الجنود أيضا كيف تحولت التعليمات العملياتية على الأرض إلى قواعد صارمة، ودفعت إلى إطلاق نار شبه آلي مع هامش واسع للخطأ. فعلى سبيل المثال، وضعت قاعدة تقضي بأن وجود أي رجل بالغ على بُعد بضعة مئات من الأمتار من قوات الجيش الإسرائيلي يستدعي الاستعداد لشن هجوم، وإذا حصلت الغارة على الموافقة، تُنفذ. وفي الغالب، كان يُعد كل من يقترب لمسافة تقل عن 300 متر من القوات تهديدا ينبغي استهدافه بموجب آلية أمان غايتها منع مسلّح من مباغتة الجنود، غير أن القدرة على تمييز التفاصيل من الجو محدودة للغاية، على عكس ما قد يبدو لمن يراقب من الخارج.

ويشرح الجندي “ب”، الذي خدم في منظومة الطائرات المسيّرة: “عندما نرصد شخصا، قد تكون هناك صعوبة حقيقية في معرفة ما إذا كان في الستين من عمره أم طفلا في الثانية عشرة”. وترسخت قواعد مشابهة لاحقا أيضا بعد أن تمركز الجيش الإسرائيلي في محور “نتساريم”، وهناك تقرر إطلاق النار على أي فلسطيني يعبر خطا معينا، رغم أن هذا الخط لم يكن محددا أو معلما على الأرض.

ومع تدهور ظروف الحياة في القطاع، بدأ الفلسطينيون يدخلون منازل مهجورة أو متضررة من الغارات ليأخذوا منها أغطية وأسرة وكراسي وطعاما، وأطلق جنود الجيش الإسرائيلي عليهم وصف “لصوص”. لكن، بحسب من أجريت معهم المقابلات، وبما أن التصور العسكري اعتبر أيضا كل شخص يدخل مبنى في منطقة قتال خطرا محتملا، إذ قد يزرع عبوة ناسفة أو يجمع معلومات استخباراتية عن القوات، تقرر استهداف هؤلاء النازحين كذلك.

وأفادت “هآرتس” خلال الحرب بأن فلسطينيين دخلوا منازلهم لحماية ممتلكاتهم من السرقة، فوضعوا أنفسهم بذلك تحت خطر التعرض لهجوم.

وأثارت المسألة نقاشات حادة داخل غرف الهجمات، ووصلت إلى قادة الوحدات بسبب الاعتراضات الأخلاقية التي عبّر عنها الجنود. وبحسب إحدى الشهادات، أوضح قائد الوحدة في إحدى المرات للجنود الذين أثاروا الشكوك أن عليهم التعامل مع كل شخص من هذا النوع بوصفه “مخربا”، وهدد بفصل كل من يواصل استخدام كلمة “لصوص” أو التشكيك في وصف هؤلاء النازحين بأنهم “أهداف”. وتكشف الشهادات أن هذه التساؤلات تسببت مرارا بتوتر آني بين القوات الميدانية وغرف الهجمات، ورفضت غرف الهجمات في بعض الحالات تنفيذ هجمات على أشخاص وصفوا بأنهم “لصوص”.

وتتعلق أعمق نقطة انكسار في الشهادات بالمرحلة التي توقفت فيها مفاوضات صفقة تبادل الأسرى في آذار/ مارس 2025، وعاد القتال إلى شدته القصوى في ما سُمّي “عربات جدعون”. وبالنسبة إلى بعض من أجريت معهم المقابلات، أضعفت العودة إلى القتال، من دون هدف إستراتيجي واضح، ثقتهم بالمهمة بشدة. فالشعور الذي دفعهم في الأيام الأولى للحرب تحول إلى إحباط، حين أدركوا أنهم يواصلون الموافقة على غارات تدمّر حياة عشرات المدنيين، لمجرد استهداف “عناصر هامشية”.

وكانت آثار هذه الهجمات ملموسة ومباشرة على نحو خاص في منظومة الطائرات المسيّرة، ويصف العنصر “ب” حالة طلب فيها من فريقه استهداف عنصر محدود الرتبة شارك في هجوم السابع من تشرين الأول/ أكتوبر. ويقول إن الهجوم كان قد وصل إلى مراحل متقدمة حين رصد الجنود الهدف: “رأيناه واقفا في حديقة مع عائلته. كان تنفيذ الهجوم صعبا علي والعائلة موجودة، ومع ذلك كان هناك من اعتقد أنه ينبغي قتله”. وبحسب قوله، أُلغيت الغارة في اللحظة الأخيرة بعد النقاش داخل غرفة الهجمات.

ويضيف محاولا شرح نقطة الانكسار لديه: “نعرف أننا قتلنا مدنيين غير ضالعين في الحرب، وهذا يحدث. لكنك في هذه الحالة رأيت أبا في الحديقة قبل إطلاق الصاروخ بثوان. كان لذلك أثر فيّ أكبر بكثير؛ شعرت بأننا نصل إلى حافتنا الأخلاقية”.

ومن جانبه، رد المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي على شهادات الجنود، قائلا إن: “الادعاء بأن الجيش الإسرائيلي أجاز مسبقا هجوما كان متوقعا أن يؤدي إلى مقتل مئات المدنيين غير الضالعين، ادعاء كاذب ولا أساس له. طوال الحرب في غزة، لم يمنح أي تصريح مسبق من هذا النوع، ولم ترد بجدية أن أي هجوم نفذه الجيش أدى إلى مقتل مئات الأشخاص”، على حد زعمه.

واعتبر أن “هجوم 31 تشرين الأول/ أكتوبر 2023 استهدف مركز قيادة وسيطرة لحماس أقامته حماس في منطقة مأهولة في جباليا، وكان يشغله عدد من العناصر العسكريين، من بينهم إبراهيم البياري وهو قائد كتيبة في الجناح العسكري تولى قيادة القتال ضد إسرائيل، وكان له قبل ذلك دور مهم في التخطيط لهجوم السابع من أكتوبر وتنفيذه. وكانت الفائدة العسكرية المتوقعة من الهجوم كبيرة، ومع ذلك أعيد إرساله إلى التخطيط عدة مرات لتقليص نطاق تأثير الهجوم والتوقعات بإصابة المدنيين، التي لم تصل في نهاية المطاف إلى مئات”.

وتحدث عن التغيير في سياسة إطلاق النيران، مدعيا أنه: “لم تصدر قط موافقة آلية مسبقة على استهداف أنواع مختلفة من العناصر استنادا إلى عدد محدد سلفا من المدنيين الذين قد يصابون، ففي كل هجوم يتعين على القائد الذي يوافق عليه إجراء تقييم فردي لمسألة تناسبه مع القانون الدولي الإنساني، أي التحقق من أن الخسائر المتوقعة في أرواح المدنيين والإصابات المتوقعة بينهم والأضرار المتوقعة للأعيان المدنية، ليست مفرطة مقارنة بالفائدة العسكرية المحددة والمباشرة المتوقعة من الهجوم”. زاعما أن: “هذا الالتزام لم يتغير منذ بدء الحرب، بل جرى التشديد عليه في التعليمات الصادرة منذ اندلاعها”.

المصدر: موقع عرب 48

x

‎قد يُعجبك أيضاً

استطلاع: معسكر نتنياهو يتفوق على آيزنكوت بـ3 مقاعد و8 للمشتركة

‎أظهر استطلاع جديد للرأي العام في إسرائيل، الأحد، تقدُّم معسكر رئيس الحكومة، بنيامين نتنياهو، بـ3 ...