الرئيسية » منوعات » دمية”لابوبو”… تسويق الوهم

دمية”لابوبو”… تسويق الوهم

هل تكشف ظاهرة دمية “لابوبو” كيف تصنع الرأسمالية المعاصرة الرغبة وتحوّل سلعة بلا وظيفة إلى طوطم ثقافي قائم على الندرة والوهم؟

استضافت إحدى القنوات اللبنانية في أحد برامجها الترفيهية ضيفين للحديث عن دمية “لابوبو” كلٌّ من زاويته الخاصة. شابٌ شديد التعلُّق بدمى “لابوبو” التي يملكها؛ يكنُّ لها حبّاً جمّاً كما أفصح مجاهراً، ولم يعتره الحرج في الاعتراف بأنه لا يغمض له جفن إذا لم تكن “لابوبو” أمامه، تتربّص به وهو ممدد على الفراش.

أما الشابة، وهي الضيفة الثانية، فكانت بمنزلة “غريمته”، فردت على اعتقاده بأن “لابوبو” تميمة تجلب الحظّ السعيد برفضٍ قاطع. قاطعته مراراً أثناء حديثه، وكانت تصرخ عالياً كمن أصيب بالمسّ، كلما وقعت عيناها على دماه التي واظب على عرضها بتباهٍ أمامها وأمام المشاهدين.

سبق لهذه الشابة أن “اختبرت” دمية “لابوبو” من قبل، كما اعترفت، وقد وافقت على الظهور في البرنامج لتروي تجربتها “البشعة” معها، بكل ما تنطوي عليه البشاعة من سمات الشر، ولتعرِّف المشاهدين على “حقيقة” هذه الدمية، باعتبارها، كما زعمت، فأل شؤم أو تجلياً لتعاويذ الجنّ.

لذلك، كانت كلما نظرت إلى “لابوبو” خيّل إليها أنها تنظر إلى الشيطان، وأن مكروهاً سيصيبها، وهذا ما لم تخفه، بل اعترفت به مراراً.

بطبيعة الحال، علا الضجيج في حلقةٍ لم يفكر معدّها إلا بمنطق نسبة المشاهدات، وسرعان ما تحوّلت إلى مغارة مكتظة بالخرافات. فاللامعقول أصلاً، كالسرديات المقرونة بهذه الدمية، يقع خارج مجال النقاش، وجلّ كلام الضيفين لا يفضي، في المحصلة الأخيرة، إلا إلى العبث الخالص. وما زاد الطين بلّة أنّ كلّاً من الضيفين راح يكيل تهمة “الوعي الزائف” للآخر.

توّجه الشاب لــ “غريمته” الضيفة قائلاً: “أنتِ حسبت أنك عرفتِ اللابوبو؟”، فيما ردت الشابة لغريمها الضيف بنبرةٍ لا تقل حدّة: “أنتَ مخدوع. ما تحمله في يديك حقيقةً هو الشيطان”.

من دون تعمّد المنتجين على الأرجح، اختزلت تلك الحلقة، بضيفيها، سرديتين ينقسم حولها العالم حيال ظاهرة ثقافية معاصرة تدعى دمية “لابوبو”. يستحيل فهم هذه الظاهرة بمعزل عن الثقافة الشعبية وما يتشعّب عنها من أساطير وخرافات.

ذلك أنّ هذه الدمية التي تكاد تنخرط في سوق البورصة مقرونة بأساطير تضخّم قيمتها الرمزية، وتجعل تداولها معقولاً في حين أنها، حقيقةً، لا شيء. هذا ما صاغه كارل ماركس منذ ما يزيد عن قرنٍ من الزمن بمصطلح “فيتيشية السلعة”، حيث تقترن السلعة ببدعٍ و”بشيءٍ من السحر” بغية استهلاكها.

نحن إزاء أحدث منتجات النيوليبرالية التي تقدَّم بوصفه صيحة، بل علامة ثقافية، في ما لا تعدو كونها سلعة بخسة من البلاستيك يسبغ عليها غلافاً إيديولوجياً – ثقافياً للترويج لبيعها واستهلاكها عبر الرهان على الرغبة.

فالـ”شيء من السحر” لا يعمل بذاته، بل تحرّكه عصا خفيّة اسمها، الرغبة. وهذا ما تكلم عنه منظّرون ما بعد حداثيين مثل جاك لاكان، وسلافوي جيجك، حيث غدت الأنا الأعلى، في ظلّ الرأسمالية، تفرض على المرء الاستمتاع. لم تعد الأنا الأعلى بمثابة المستبد الذي يمنع، بل تحوّلت إلى صوتٍ آمر يطلق أمراً واحداً: “استمتع!” ضمن قواعد السوق، المستبد الجديد، طبعاً.
ما قصة دمية “لابوبو”؟

استلهم الفنان الشاب المkحدر من هونغ كونغ، كاسينغ لونغ، شكل دمية “لابوبو” (وأصدقائها) من الأساطير الإسكندنافية وحكايات الفولكلور. أبصرت “لابوبو” النور ضمن سلسلة رسومات بعنوان “الوحوش”، نشرها لونغ في كتابٍ مصوّر عام 2015.

وبعد 4 سنوات، خرجت هذه الشخصيّات من حيّز الورق إلى مجسّمات ثلاثية الأبعاد إثر استحواذ شركة الألعاب “بوب مارت” على السلسلة وحولتها إلى دمى تجارية. لا شكّ td أنّ لونغ، الذي تحوّل بين ليلةٍ وضحاها إلى مليونير، هو “أبو” “لابوبو”. غير أنّ هذه الدمية ما كانت لتبلغ ما بلغته لولا شركة الألعاب “بوب مارت”، التي التقطت مبكراً قابلية هيئة “لابوبو” في أن تصير طوطماً معاصراً، وجعلت من الغموض وهو جوهر هيئتها، أساساً في قيمتها التجارية.

هذه الدمية تغزو العالم، وهي بحسب مقال نشرته “الغارديان”، يستيقظ الناس في أستراليا عند الثالثة فجراً ويقفون في الطوابير كي يدخلوا إلى المتجر ويجدوا واحدة، تكمن داخل علبةٍ مغلقة.

يلف دمية “لابوبو” الغموض وكأنه مادتها الأولى. وبسبب ذلك، فهي تفتح باب التأويل على مصراعيه. ما إنّ يصبح الشيء قابلاً للتأويل، حتى يغدو استهلاكه عصياً على الضبط.

وجهُ “لابوبو” ملتبس. العينان جاحظتان، أسنانها مسنونة وطويلة تبرز من الفم لتلامس الشفة السفلية، فيما تتخذ أذناها شكل أذني الأرنب. لا نعلم إنّ كانت “لابوبو” في تحديقها غاضبة، وحانقة، وتبث الارتياب، أم أن عينيها الواسعتين، وأذنيها المستقيمتين الموحيتين بالتأهب وأسنانها الجاهزة للعضّ، تحرس حاملها وتذود عنه.

بين الإحساس بالتهديد ووعد بالحماية، لا عجب أن تبقى السرديات الأسطورية متفرّقة حولها، تماماً كما أظهرت تلك الحلقة التلفزيونية. تتنازع على سبيل المثال، القراءات حول لوحة الموناليزا: هناك من يراها رجلاً وهناك من يراها امرأةً، و”بوب مارت” تسوّق “لابوبو” وفقاً لهذه الثنائية الأشبه باللغز الذي لا يُراد له أنّ يُحلّ بل أن يبقى معناه معلّقاً، ما يجعل رغبة المستهلك ناقصة دوماً، وهو الشرط الأمثل لتراكم الأرباح.

“لابوبو” ليست دائماً متوفرة، إذ تُصنع بكميات محدودة وتُباع عشوائياً. وفي حال توفرت يبقى شكل الدمية مرهوناً للحظ، فهي تختبئ داخل علبةٍ مغلقة، بحيث قد يشتري المرء عشرات العلب، بل مئات، ليجد الوجه نفسه يتكرر. السعر الأصلي للواحدة يراوح بين 13 و16 دولاراً، غير أن المشهد يتبدل سريعاً على مستوى الأسواق العالمية والمتاجر الإلكترونية، حيث تبدأ الأسعار من 20 دولاراً لتقفز إلى 1199 دولاراً للنادر منها، وهذا يدلّ على ذروة تجلّيات اقتصاد الندرة و”الفيتيش” السلعي. هكذا تُدار اللعبة: ندرة مصطنعة ومصادفة معلّبة.

هذا النمط من الشراء الذي لا يبتعد كثيراً عن منطق المقامرة عاد على “بوب مارت” بأرباحٍ طائلة. في تقريرٍ نشرته مجلة “فوربس” في أواخر العام 2025، بلغ إجمالي أرباح “لابوبو” عام 2024 نحو 423 مليون دولار. منذ ذلك الحين لغاية اليوم، فقد ازداد تصنيع “لابوبو”، وبالتالي انتشارها في الأسواق، وبوسعك تخيّل مدى تضخم الأرباح بعد مرور عامين.
“لابوبو” بين الطوطم المقدس والعلامة الثقافية

الحال أن “بوب مارت” نجحت في تقديم “لابوبو” باعتبارها “ما – بعد دمية”: دالاً ثقافياً لجيل “زد” المشدود إلى فضاء البوب والأنيمي (رسوم متحركة). لربما هؤلاء، أي أبناء جيل “زد”، أبعد ما يكونون عن العقل الأسطوري الغيبي الذي يتعامل مع “لابوبو” على النحو الذي تعامل الضيفان معها، أي بنزعة “الواقعيّة السحريّة” كما عرفت في أدب غابرييل غارسيا ماركيز حيث تتناوب قوى غيبية مثل اللعنة والانفراج على تقرير مصائر الشخصيّات.

غير أنّ “لابوبو” تحلّ لدى جيل “زد” كعلامة ثقافية، بحيث تغدو الصورة التي تقدّمها هي مركز الاعتقاد وليس الإيمان التقليديّ، المشوب بأساطير مثل كونها فأل الشؤم أو تميمة الحظ.

ثمة إعادة تدوير للأسطورة إذاً. دمية “لابوبو” عند جيل “زد” غدت صورة مرجوّة عن الذات؛ إكسسوار هوية بدلاً من طوطمٍ يُعبد. هذا الجيل الذي ينتمي إلى عالمٍ تُمحى فيه المسافة بين الواقعي والافتراضي وبين الصورة والحقيقة، يرى في هذه الدمية أداة عبور نحو التمثيل الذاتي، إذ يستهلكها باعتبارها علامة ثقافية يتجلّى فيها الاعتراف بـ”روح العصر” ونجومه. إنها الرغبة إذاً التي تدفع نحو استهلاك هستيري لا يطلب الإشباع إنّما الاستمرار، و”بوب مارت” تبني على ذلك استراتيجيتها.

لا يمكن فهم الرغبة من منظور المحلل النفسي الفرنسي، جاك لاكان، بوصفها استجابة لحاجة أو ميل جمالي بسيط، بل بوصفها حركة داخل بنية الرغبة ذاتها. الرغبة عنده تنشأ من نقصٍ بنيوي في الذات: من فجوة لا يمكن سدّها بأي موضوع.

في هذا السياق، ليست “لابوبو” هي الشيء المرغوب فيه بل هي سبب الرغبة (يطلق عليه تسمية objet petit a)؛ اقتناء “لابوبو” ليس إشباعاً بل اقتراباً من تلك الرغبة أو الصورة المرجوّة عن الذات. دمية “لابوبو” لاكانياً، هو الدالّ الذي يحاول إدارة النقص أو الرغبة لا إنهاءه. ولأن الرغبة بالنسبة للاكان لا تُشبع، فإنّ الصندوق المغلق سيكون كفيلاً لتركها معلّقة، وهذا ما يعني المزيد من الاستهلاك، ومعناه: المزيد من الأرباح.
الصندوق المغلق وبيضة “كيندر”

يشرح سلافوي جيجك في وثائقي “Pervert’s guide to ideology” كيف تختبئ الأيديولوجيا داخل منتج يبدو بريئاً مثل بيضة “كيندر”. يشرح جيجك “بنية” هذا المنتج: قشرة الشوكولا، لعبة داخلية، وعنصر المفاجأة. صحيح أنّ محتوى اللعبة غير معروف مسبقاً بيد أنّ وجودها مضمون سلفاً، ومع ذلك فإننا نشعر بالحماسة والترقّب. هذا التناقض بين المعرفة المسبقة بوجود المفاجأة، وبين الجهل بطبيعتها هو ما يمنح تجربة شراء بيضة “كيندر” قوّتها.

تفضي قراءة جيجك إلى أننا لا نشتري بيضة “كيندر” كشوكولا إنما نشتري وعداً بشيء آخر وهو ما نريده. وجود شوكولا “كيندر” يسبغ معنى على هذا المنتج الذي نشتريه. نحن لا نشتريها كرمى للشوكولا، فالمتعة ليست فيه، إنما نشتريها لأننا ننتظر معرفة المخبوء، أي اللعبة، مع الحماسة التي تسبقها. هي حيلة من حيل الرأسمالية، جيجك يختصرها بالآتي: “لا تختر بين المتعة والمنفعة، خذ الإثنين معاً، كن سعيداً كما يفرض منطق السوق”.

في أدبياتنا الشعبية نقول: “أكل البيضة وقشرتها”. هذا الاشتغال على عنصر المفاجأة سيلقى نجاحاً باهراً مع “بوب مارت”. لو كانت “لابوبو” متوفرة لاشتريت بسهولة، ثم مُلَّ منها ونُسيت، لكن الندرة هي محرّكها الخام، أو “الليبيدو” السرّي لها. الغياب يجعل السعي وراء “لابوبو” أكثر إغراءً من الحضور، والصندوق المغلق يعزز هذه الاستراتيجية. لم يعد ما يُستهلك هنا الدمية، بل تأجيل الإشباع نفسه، وفي لعبة القمار هذه هناك أنا أعلى ينادي المرء بصيغة الأمر: استمتع!
فيتيشية “لابوبو”

لا قيمة تبادلية حقيقية لدمية “لابوبو” (إلا في نطاق ضيّق محصور بشلّة تقتني هكذا مجموعات) ولا قيمة استعمالية لها. هي دمية صامتة لا تفعل شيئاً سوى التحديق. على أن هذا التحديق يكشف عن رغبة المرء الدفينة في أن يكون مرئيّاً، سواء من صنم طوطمي أو من آخر يعترف به.

في هذا السياق، يستعيد التحليل اللاكاني وجاهته، نحن لا نصير ذواتاً إلا بقدر ما نرى ونُرغَب من الآخر، وبقدر ما ننجح في تقديم أنفسنا كصورة قابلة للاستهلاك.

هناك عبارة لافتة وردت بالصيغة نفسها في مقالتين لكاتبتين مختلفتين: كتبت كايلي شايكا في مجلة “نيو يوركر” عبارة وردت في مقالة الكاتبة في جريدة “الغارديان” فان بادهام: “نحن اللابوبو”.

في الماضي القريب كان سؤال هل تملك حساباً في “فيسبوك”؟ يقوم مقام التعارف بالاسم. انزاح هذا السؤال اليوم إلى صيغةٍ أخرى: هل تملك “لابوبو”؟ صارت “لابوبو” هي الاسم.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

ماء الورد متجذر في أعماق التاريخ والثقافة والتراث الإيراني

لا يمكن وصف الروائح في الكلمات، ولا يمكن أن نجد مفردات تعبر جيداً عن رائحة ...